البشير دهب يكتب: حين تُستبدل الكفاءة بالعلاقات

في مشهد إعلامي مضطرب، يتقدّم بعضهم إلى الواجهة ليس لفرادة الطرح أو نضج التجربة، بل لأن أبواب الاستديوهات باتت تُفتح برنين العلاقات لا بمستوى الكفاءة. بعضهن، بدأت مسيرتها كناشطة فيسبوكية ثم انتقلت إلى تقديم البرامج والبودكاست، تمثّل نموذجًا صارخًا لهذا المسار الذي يختزل الإعلام في الظهور لا في التأثير.
في الحلقات الحوارية التي تظهر فيها، لم يكن هناك ما يشير إلى تطوّر مهني يليق بمنصة تلفزيونية. الأداء جاء هشًا، الحوار مفككًا، والصياغة الإعلامية متواضعة لا تعكس الحد الأدنى من الإعداد أو الفهم العميق للرسالة الإعلامية. بدا كأنما المايكروفون قد وُضع في يد لا تُجيد سوى اجترار الضجيج، الظهور أمام الكاميرا ليس نزهة رقمية، ولا ترفًا للذين يملكون “متابعة” على الفيسبوك. إنه امتحان متواصل يتطلب أدوات، من اللغة إلى الحضور إلى إدارة الحوار. وأي خلل في هذه العناصر الثلاثة يحوّل التجربة من منبر تواصل إلى مساحة إرباك.
الواحدة منهن تبدو أكثر ارتياحًا على صفحاتها الشخصية حيث لا تحرير ولا مساءلة، تجد نفسها في استوديو حقيقي. وهناك، سقط القناع التقني: لا حسّ صحفي ناضج، ولا مرونة لغوية حيث تخرج المفردات بين شفاهها كعراة يهربون من حمام يحترق ، وتغيب عندها قدرة قراءة الضيف، ناهيك عن الجمهور.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى نتوقّف عن مكافأة الارتجال؟ البلد مليئة بكفاءات إعلامية تم إقصاؤها لصالح من يملكون صوتًا عاليًا لا مضمونًا، وعلاقات واسعة لا تجربة. وترك الحبل على القارب لظواهر مثل هذه، لا يُسيء فقط للمهنة، بل يُفرغ الإعلام من مضمونه
لا نحتاج إلى من يملأ الهواء بكلام كثير، بل إلى من يصنع فرقًا بالكلمة الدقيقة، بالحضور الذكي، وبالإحساس العميق بالمسؤولية. وعندما يغيب ذلك كلّه، لا يكون النقد شتيمة، بل ضرورة
هي لا تُهاجَم لشخصها، بل لأدائها، الذي بات يمثّل مأزقًا حقيقيًا في مشهد إعلامي يتطلّب ما هو أكثر من الابتذال يتطلّب جدارة.




