رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: الأبيض.. حتى لا نندم

 

0 في كل زيارة لي إلى مدينة الأبيض عروس الرمال.. يزداد يقيني بأنها أكبر من أن تختزل في كونها عاصمة لولاية شمال كردفان.. فهي مدينة تشعرك بأنها قلب السودان النابض وملتقى أهله على اختلاف جهاتهم وانتماءاتهم.. لأنها مدينة تحررت من الفوارق القبلية والجهوية في بوتقة التعايش والمحبة و “الكل كردافة”.. لقد ظلت الأبيض عبر تاريخها رمانة الميزان التي تربط بين ولايات السودان.. ومركزاً حيويا للتجارة والتعليم والخدمات الإنسانية من خلال موقعها الاستراتيجي بالغ الأهمية الذي جعلها جسراً للتواصل بين غرب البلاد ووسطها وشمالها وشرقها.
0 ولم تكن مكانتها وليدة الصدفة بل صنعتها إرادة أهلها ودورها الوطني الممتد عبر العقود.. إن الحفاظ على مدينة الأبيض واستقرارها ليس مسؤولية أبناء شمال كردفان وحدهم.. هو واجب وطني يقع على عاتق كل السودانيين لأنها مدينة تمثل رمزاً للوحدة والتسامح والتكافل.. وأي نهضة تشهدها هي مكسب للسودان كله.. كما أن أي تهديد يطالها يمس الوطن بأسره.
0 للأسف بدأ يتحقق ما كنا نخشاه ببدء نزوح المواطنين نتيجة استمرار حصار المدينة وتعرضها لمزيد من الأخطار.. في وقت يواجه فيه مئات الآلاف من المواطنين خطر الجوع والمرض.. بسبب الاستهداف الممنهج الذي تنفذه المليشيا الإجرامية عبر الطائرات المسيرة لمحطات الوقود والبنية التحتية الحيوية.. إلى جانب بدء انقطاع طرق الإمداد التي يعتمد عليها المواطنون في مناطق واسعة من كردفان ودارفور.. الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية واتساع رقعتها.. وذلك بسبب التراخي الذي حدث منذ تحرير الخرطوم كما اقر بذلك رئيس العدل والمساواة د. جبريل إبراهيم.
0 لقد أثبتت قبائل ومكونات شمال كردفان خلال فترة الحرب قدراً كبيراً من الحكمة والتماسك والمسؤولية الوطنية.. فقد قاتلت وجاهدت وقدمت مئات الشهداء وربما الآلاف.. دفاعاً عن الأرض والعرض وفي الوقت نفسه حافظت على السلم الاجتماعي رغم الاستفزازات المتكررة والظروف الإنسانية والأمنية القاسية.
0 ويستحق هذا الموقف كل التقدير والإشادة من كل السودانيين لأنه أسهم بصورة كبيرة في حماية النسيج الاجتماعي ومنع الولاية من الانزلاق إلى الفوضى والانهيار في يد المليشيا الارهابية.. غير أن صمود هذه المكونات يواجه اختباراً بالغ الصعوبة.. خاصة مع استمرار الحصار ومنع وصول البضائع والمواد الغذائية والإمدادات الأساسية.. الأمر الذي استنزف قدراتها ووضع المواطنين أمام تحديات معيشية قاسية.. ورغم ذلك ظل التماسك المجتمعي أحد أبرز عوامل الثبات وهو ما يستوجب دعمه في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الولاية.
0 تؤكد التجارب التي خلفتها الحرب في عدد من المدن السودانية.. أن التأخر في التحرك كانت له كلفة إنسانية فادحة وخسائر سياسية كبيرة.. فحماية المدن قبل تدهور الأوضاع وانهيارها تظل أقل تكلفة وأكثر جدوى من محاولة إنقاذها بعد وقوع الكارثة.. ومن هذا المنطلق فإن الإسراع في تأمين مدينة الأبيض وفك الحصار عنها.. وحماية سكانها وفتح الطرق المؤدية إليها.. يمثل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.. ويقع على عاتق القوات المسلحة بذل أقصى ما في وسعها لحماية المواطنين وتأمين المدينة وضمان وصول الإمدادات.. كما ينبغي للجيش أن يستفيد من تجربة صمود وبسالة قبائل الولاية التي أظهرت شجاعة كبيرة في الدفاع عن الولاية وأن يتم امدادها بالسلاح.
0 وعلى الحكومة أن تنتبه إلى أن بيانات القلق والتحذير الصادرة عن بعض الدول الغربية والولايات المتحدة.. بشأن مدينة الأبيض تمثل مؤشراً واضحاً على مباركة غير مباشرة لحصار المليشيا لعروس الرمال.. وترقباً لسقوطها كما كانت تلك الدول تترقب سقوط مدينة الفاشر.. وهذه البيانات التي تتكرر مع كل أزمة لا تطعم جائعاً ولا تداوي جريحاً ولا تنقذ شعباً محاصراً.. ولا تسهم في رفع المعاناة عن المواطنين.. لقد اعتادت هذه الدول إطلاق بيانات لا تتجاوز حدود الإدانة اللفظية.. بينما تظل مواقفها العملية منحازة بصورة واضحة الى المليشيا التي تواصل القتل والنهب والاغتصاب والانتهاكات بحق المواطنين.
0 إن الأبيض هي رمز لصمود أهل كردفان وعنوان لوحدة السودان وتماسك نسيجه الوطني.. وإن التفريط فيها أو استمرار معاناة أهلها تحت وطأة الحرب.. سيترك جرحاً غائراً في نفوس كل السودانيين يصعب أن يندمل مع مرور الزمن.. الواجب الوطني والإنساني يفرض على الجميع التحرك العاجل والمسؤول.. والعمل بكل السبل الممكنة لرفع المعاناة وحماية المواطنين وصون وحدة البلاد.. وتأمين الأبيض بداية التحرك نحو بقية اجزاء كردفان الكبري ودارفور.. فالتأخر في الاستجابة سيغري المليشيا بالعودة الى الخرطوم وقد يقود إلى تكرار مجازر وأحزان عرفها السودان في مدن أخرى.. وكان ثمنها باهظاً على الوطن وأبنائه.
0 ومهما يكن من أمر.. أين رئيس هيئة الأركان ياسر العطا ؟.
سبب اخير:
نكتب غداً عن زيارة مستشار مجلس السيادة أمجد فريد الى مدريد

السبت 27 يونيو 2026
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!