رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: استهبال البنك المركزي

 

0 أعلن بنك السودان المركزي بموجب منشور رسمي موخراً.. استئناف تشغيل المقاصة الإلكترونية, بالعملة المحلية بعد توقف دام منذ منتصف أبريل 2023.. وقد تم تصوير القرار بوصفه خطوة نحو احياء النشاط المصرفي بعد تعطل فرضته ظروف الحرب.. ولكن هذا التوصيف في حد ذاته، يغطي على أصل المشكلة ويضلل الرأي العام،
0 ان توقف المقاصة لم يكن في الأصل نتيجة مباشرة للحرب.. بل نتيجة خلل هيكلي حقيقي في إدارة السيولة داخل عدد من البنوك التجارية.. وهو خلل كان قائماً قبل الحرب وتفاقم خلالها.. مما جعل بعض البنوك التجارية غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها الناتجة عن حركة الأموال بين البنوك.. قبل اندلاع الحرب، كان المركزي “يدلع” البنوك، حيث كان يتدخل بصورة متكررة لتغطية عجز بعضها عن إكمال تسويات المقاصة.. وذلك عبر ضخ سيولة إضافية في حساباتها الجارية.
0 عملياً كان هذا التدخل يعني تمويلاً غير مباشر لبنوك فشلت في إدارة سيولتها بكفاءة.. مما يسبب تضخم ويشكل ضغطاً على سعر الصرف.. فضلاً عن كونه خلق حوافز خاطئة تشجع على استمرار سوء الإدارة.. الأخطر من ذلك أن بعض البنوك استمرأت هذا الوضع، وتعاملت مع تدخل البنك المركزي مثل أب يعطي ابنه المدلل دون محاسبته.. وهكذا تحول سوء إدارة السيولة من مشكلة مصرفية داخلية إلى عبء يدفع ثمنه الاقتصاد عامة.
0 قبل الحرب فطن المركزي الي استهبال بعض البنوك وطريقتها “الاتكالية”.. فعمل على تحميل كل بنك مسؤولية التزاماته اليومية دون اللجوء إلى المقاصة المؤجلة أو الاستدانة منه كبنك مركزي.. حيث اتخذ خطوة أكثر صرامة عبر تفعيل نظام “سراج” للمدفوعات الفورية، وهو نظام يقوم على فكرة بسيطة وواضحة لا مقاصة مؤجلة، ولا تمويل.
0 وعلى كل بنك أن يدير سيولته بكفاءة تمكنه من تنفيذ التزاماته فوراً وبصورة مباشرة.. هذا التوجه الصارم فرض قدراً من الانضباط ووضع البنوك أمام مسؤولياتها الحقيقية.. وألغى عملياً إمكانية الاحتماء بالبنك المركزي لتغطية فشلها الإداري وضعف قيادتها.
0 اللافت أن هذا النظام، رغم ظروف الحرب القاسية، عمل بكفاءة ولم يشهد انهيارات تذكر.. ليس لأن الحرب خففت الضغط، بل لأن البنوك أُجبرت على التكيف مع واقع لا يسمح بالهروب من الانضباط المالي.. وهذا في الأصل هو الوضع الطبيعي لأي جهاز مصرفي سليم.
0 ان إعادة تشغيل المقاصة الإلكترونية في ظل استمرار الأسباب التي أدت إلى تعطيلها – بل تفاقمها بفعل الحرب – بقرار من المحافظ آمنة ميرغني خطوة محفوفة بالمخاطر.. حتى وان كانت جزئية، فالأسباب التي أدت إلى توقف المقاصة لا تزال موجودة.. بل تفاقمت بفعل التآكل الكبير في سيولة الجهاز المصرفي خلال الحرب.
صحيح أن المنشور الجديد حمل البنوك مسؤولية توفير أرصدة كافية في حساباتها لدى بنك السودان.. وأكد على الجاهزية الفنية وسلامة الشيكات.
0 لكن التجربة السابقة اثبتت أن النصوص التنظيمية وحدها لا تكفي.. ما لم يتم دعمها بصرامة في التطبيق، ومساءلة حقيقية للبنوك التي تفشل في الإيفاء بالتزاماتها.. ولتقريب الصورة فإن المقاصة لا تحمي حقوق العملاء تلقائياً.. فقد يمتلك العميل رصيداً كافياً، لكن إذا كان “بنكه” يعاني من شح السيولة لدى البنك المركزي.. فإن عملية التحصيل ستفشل، ويتحول الخلل الإداري إلى ضرر مباشر على المتعاملين، وعلى الثقة في النظام المصرفي بشكل عام.
0 بالتالي يجب أن يكون البنك نفسه محتفظاً برصيد كافي لدى البنك المركزي.. وعندما تفشل البنوك في ذلك، تتعطل حقوق العملاء، وتلقى المسؤولية مرة أخرى على كاهل البنك المركزي.. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعدد جلسات المقاصة ولا بنوعية الشيكات.. بل يبدأ بفرض انضباط مالي صارم على البنوك لا مكافأتها وإنهاء هرولتها نحو المركزي عند الفشل.. وعليه فإن أي خطوة يجب أن تقوم على رؤية واضحة.. لا عودة للدعم غير المباشر، ولا تسويات على حساب الاستقرار النقدي، ولا أنظمة تعيد إنتاج الأزمة نفسها تحت مسمى مختلف.
0 ومهما يكن من أمر.. بدون ذلك ستظل المقاصة الإلكترونية جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل و”بلاش” استهبال!!.

الاثنين 29 ديسمبر 2025
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!