سفير سوداني يكتب في صحيفة ماليزية واسعة الانتشار دعماً لمبادرة رئيس الوزراء


كوالالمبور: الشعب
نشرت صحيفة بيرتا هاريان الماليزية (Berita Harian) الواسعة الانتشار ومؤثرة علي الراي العام الماليزي مقالاً لنائب رئيس بعثة السودان لدى كوالالمبور السفير د. الوليد سيد محمد علي بعنوان (مبادرة السلام في السودان.. عندما تتحدث الحرب إلى العالم من خلال الدبلوماسية). تناول فيه المبادرة الدبلوماسية لرئيس الوزراء د. كامل ادريس داخل مجلس الأمن الدولي لدعم جهود إنهاء الحرب في السودان واستعادة الاستقرار.
وتناول المقال المرتكزات التي تتكئ عليها المبادرة في مقدمتها التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، ونزع سلاح المليشيا الخارجة عن إطار الدولة، وحماية المدنيين
وأكد السفير الوليد أن الحل الدائم للأزمة السودانية يقوم على حوار وطني شامل يقوده السودانيون أنفسهم، كما شدد على أهمية احترام سيادة السودان، مع حصر دور المجتمع الدولي في الدعم والمساندة دون فرض حلول خارجية. ودعا ماليزيا لتكون شريكاً بنّاء في دعم استقرار السودان وتعافيه بعد الحرب.
****
“الشعب” تعيد نشر المقال كاملاً
في الشهر الماضي، عاد السودان إلى الساحة الدولية لا عبر لغة الحرب، بل عبر لغة المسؤولية. فخلال وقوفه أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قدّم رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس مبادرة وطنية للسلام لم تقتصر على إنهاء القتال فحسب، بل سعت إلى استعادة الشرعية الأخلاقية والسياسية للدولة السودانية بعد أشهر من الصراع المدمّر.
وفي وقت يتسم بتشتت الاهتمام العالمي وتزاحم الأزمات على صدارة المشهد، جاءت رسالة السودان واضحة ان السلام لا يمكن فرضه من الخارج، ولا يمكن أن يولد من الإكراه المسلح. بل يجب أن يكون مملوكاً للدولة، تقوده وتحميه.
وقد استندت المبادرة، كما عرضت أمام مجلس الأمن، إلى مجموعة من المبادئ الواضحة والمترابطة. شملت وقفاً فورياً وشاملاً لإطلاق النار وانسحاب ميليشيا الدعم السريع العاملة خارج سلطة الدولة ونزع سلاحها وحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون بعد استعادة الأمن والنظام الدستوري. وشكلت هذه العناصر مجتمعة خارطة طريق تُقدّم الاستقرار على السياسة، والشرعية على التفاوض.
وما ميز خطاب رئيس الوزراء على نحو خاص هو توازنه بين الحزم والانفتاح. فقد جرى التأكيد بوضوح على مسؤولية الدولة في إنهاء التمرد وحماية مؤسساتها الوطنية، مع إبقاء الباب مفتوحًا في الوقت نفسه للحوار مع القوى المدنية والفاعلين السياسيين الملتزمين بوحدة السودان وسيادته. ويعتبر هذا الترتيب بالغ الأهمية، إذ أظهرت التجربة السودانية الحديثة أن التسويات السياسية المنفصلة عن الحقائق الأمنية لا تؤدي إلا إلى ترسيخ دوامات العنف.
ولم يكن التوجه إلى مجلس الأمن مجرد خطوة رمزية، بل تحركاً دبلوماسياً محسوباً يهدف إلى إعادة تشكيل السردية الدولية حول السودان. فلطالما جرى تناول السودان خارجياً كملف إنساني أكثر منه دولة ذات سيادة وتمتلك زمام المبادرة. وقد تحدت مبادرة السلام هذا التصور، داعية المجتمع الدولي إلى دعم الحلول التي يقودها السودانيون، وتجنّب المسارات الموازية التي قد تمنح شرعية لفاعلين مسلحين خارج إطار الدولة.
وبالنسبة لدول مثل ماليزيا، التي دأبت على الدعوة إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية، واحترام السيادة، والانخراط الإنساني القائم على المبادئ، تحمل مبادرة السودان صدى خاصاً. فالتقاليد الدبلوماسية الماليزية المرتكزة على الاعتدال والحوار والتعاون متعدد الأطراف تؤهلها لتكون شريكاً بنّاء في دعم استقرار السودان وتعافيه بعد النزاع.
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق بالغ الصعوبة. فقد خلّفت الحرب معاناة هائلة، وشردت الملايين، وأضعفت مؤسسات كانت هشة أصلًا. ومع ذلك، أشار خطاب رئيس الوزراء إلى أن البلاد لا تعتزم التسليم بمصيرها للتفكك. فمن خلال بلورة رؤية متماسكة للسلام – مرتكزة على السيادة، وحماية المدنيين، والحوار الوطني الشامل – خطا السودان خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار واستعادة صوته.
ويبقى أن نرى ما إذا كان المجتمع الدولي سيختار الإصغاء والدعم ومواءمة أفعاله مع هذه الرؤية، إذ إن ذلك لن يحدد مسار تعافي السودان فحسب، بل سيختبر أيضاً مصداقية الدبلوماسية متعددة الأطراف في مواجهة صراعات العصر.




