الاخبار

روسيا تهاجم بولس والدنمارك بشأن السودان وتكشف سر دعمها للبرهان

 

الخرطوم: الشعب

انتقد السفير الروسي لدى السودان أندريه تشيرنوفول بشدة التحركات الأمريكية والدولية بشأن الحرب في السودان وذلك في مقالة جديدة له محذراً من أن الدعوات لوقف فوري لإطلاق النار وتوسيع حظر الأسلحة قد تهدد وحدة الدولة السودانية، ومؤكداً دعم موسكو للجيش السوداني ولجهود إطلاق حوار وطني شامل.
(الشعب) تنشر المقال كاملاَ..

من المقرر أن يبت مجلس الأمن الدولي في العاشر من سبتمبر الجاري في مصير مشروع قرار آخر مناهض للسودان بمبادرة هذه المرة، ليست من البريطانيين (حاملي القلم) الذين يعتبرون أنفسهم، حسب عاداتهم الاستعمارية القديمة، مخولين بالإشراف على شؤون الخرطوم، بل من الأمريكيين. وكما فهمنا، فقد كُلِّف كبير مستشاري البيت الأبيض، السيد مسعد بولس، بمهمة واضحة تتمثَّل في ضمان تحقيق دونالد ترامب نجاحاً بكافة الوسائل الممكنة في وقف حرب أخرى – يُرجَّح أن تكون التاسعة – قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر. وهو ما يتطلب وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار في جمهورية السودان على طول خط الالتماس الحالي بغض النظر عن أن مثل هذه الخطوة قد تُنذر بتفكك الدولة السودانية. وقد أقرّ الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، السيد بيكا هافيستو، بصحة هذه المخاوف علناً.
كما نرى جميعاً، فإن الانتهازية والتسرع الواضحين في تصرفات السيد بولس يُثيران استياءً غير مخفي لدى القوى الإقليمية الكبرى كالمملكة العربية السعودية ومصر. مما أدى إلى شلل عمل الآلية الرباعية المكونة من (المملكة العربية السعودية، والأمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية، والولايات المتحدة)، وذلك باعتراف الأمريكيين أنفسهم. مما اضطر واشنطن إلى ابتكار صيغ جديدة على عجل للوساطة الدولية بشأن التوصُّل إلى تسوية سياسية في السودان.
بالطبع يجري الحديث عن “الخماسية” التي تُوحّد اسمياً جهود الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، ولسببٍ ما، الاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن بيكا هافيستو، الذي يُمثّل الأمين العام المنتهية ولايته أنطونيو غوتيريش، غير قادرٍ على إدارة “الخماسية” المذكورة آنفاً، والتي تتألف بشكلٍ آلي من منظمات تختلف في ثقل سياسي وتوجهات تماماً. والنتيجة، للأسف، هي فوضى عارمة وغياب تام لأي نهج مُوحَّد. ومن المثير للسخرية قراءة ما يُنشر في وسائل الإعلام عن تجادل “الخمسة العظماء” حول توقيت وجدول أعمال زيارة وفدهم إلى الخرطوم.
وكالعادة، يواصل أعضاء الاتحاد الأوروبي، بعنادٍ مميتٍ، التمسك بنهج رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الانتقال الديمقراطي في السودان (UNITAMS)، فولكر بيريتس، واتفاقه “الإطاري” لعام 2022م. ولا يهمهم أن رهانهم آنذاك على “انقلاب سريع” بقيادة محمد حمدان دقلو لم يُؤتِ ثماره في عام 2023م. وكما نعلم، إذا لم يتوافق الواقع مع الرؤية الاستراتيجية للأوروبيين، فاللوم على الواقع، وهناك أمثلة لا حصر لها على ذلك، من نابليون وهتلر إلى المغامرة الدموية الحالية في أوكرانيا.
إن جامعة الدول العربية عاجزة عن التوصل إلى توافق في الآراء بسبب تضارب مصالح أعضائها. وكذلك لا يزال رؤساء الاتحاد الأفريقي مترددين في فك تجميد عضوية السودان رغم إعادة مكتبهم التمثيلي إلى الخرطوم، حتى مع أن سبب التجميد المتمثِّل في إطاحة الجيش بحكومة “قحت” الموالية للغرب بقيادة عبد الله حمدوك، قد أصبح غير ذي صلة. فمنذ ثلاث سنوات، تحوّل الشركاء السابقون في الثنائية الحاكمة في السودان إلى مجرد مهاجرين سياسيين مدعومين من مؤسسات غربية مختلفة تُعنى بـ”تعزيز الديمقراطية”. بعبارة أخرى، حاليا لا توجد مجموعة قوى سياسية مدنية متفق عليها وطنيا بأن يسلم الجيش إليها السلطة، ولهذا السبب ندعم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء، كامل إدريس، في جهودهما لإطلاق حوار وطني شامل وحقيقي في أسرع وقت ممكن داخل البلاد لتحديد مستقبل السودان.
لنعود إلى التصويت المرتقب في مجلس الأمن. بصراحة، إن التصريحات التي أدلى بها رؤساء مجلس الأمن الدنماركيون الحاليون صادمة في بعض الأحيان. يشير سردُهم إلى أن توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور بموجب قرار لجنة العقوبات رقم 1591 ليشمل كامل أراضي جمهورية السودان ضروري لتجنب تكرار مأساة الفاشر في مدينة الأبيض المحاصرة من قِبَل قوات الدعم السريع. هنا نود اقتراح إرسال كوبنهاغن مندوبين إلى هناك، لا سيما وأن بإمكانهم الوصول بسهولة من الخرطوم إلى عاصمة شمال كردفان التي تبعد عنها جبهة القتال بأكثر من 60 كيلومتراً إلى الغرب والشمال الغربي. عندما كان المتمردون بالفعل على مشارف الأبيض قبل عامين، لم يُبدِ الدنماركيون ولا غيرهم من أعضاء الاتحاد الأوروبي اهتماماً بالأمر. أما الآن ومع انضمام المئات من مقاتلي محمد حمدان دقلو السابقين إلى الحكومة الشرعية أسبوعياً، فقد أبدى الأوروبيون قلقهم فجأةً حيال ما يحدث في هذه المدينة، وحتى تناسوا جزيرة غرينلاند المتنازع عليها مع دونالد ترامب.
يعد الموقف الحازم لمندوب جمهورية الصين الشعبية في مجلس الأمن، الرافض لمساواة الجيش الوطني بالمتمردين، أمراً مُشجعاً. كما تمّ توضيح نهج روسيا بشكل شامل في خطاب مندوبها، السيد فاسيلي نيبينزيا، أمام اجتماع مجلس الأمن بشأن جمهورية السودان في 25 أغسطس المنصرم. أودّ فقط الإشارة إلى التطابق التام بين نهج روسيا وتقييمات وزارة الخارجية السودانية في أن القوات المسلحة هي الضامن الأساسي لحماية المدنيين، وهي الحماية نفسها التي يذرف من أجلها مسؤولو الأمم المتحدة والسياسيون الغربيون دموع التماسيح.
في الوقت نفسه، يُنظر إلى رغبة السيد بولس المفهومة في ضمان أن يتمكن دونالد ترامب، بأي وسيلة ممكنة من إعلان وقف الحرب الطويلة الأمد في السودان قبل انتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل، بشكل مختلف داخل جمهورية السودان. فمن وجهة نظر الخرطوم، فإن مستشار البيت الأبيض، بينما يستخدم خطاباً إنسانياً حول ضرورة الوقف الفوري لإراقة الدماء ومنع تأجيج الصراع من الخارج، إنما يخدم مصالح داعمي المتمردين والديماغوجيين المدعين بأنهم يسعون إلى الديمقراطية. ذلك لأن يجري تزويد مقاتلي محمد حمدان دقلو بالأسلحة والمرتزقة على قدم وساق انتهاكاً لجميع القيود. إن الحظر الجديد الذي اقترحه السيد بولس، ولا سيما حظر توريد أنظمة الطائرات المسيّرة، سيُعقّد بشكلٍ كبير إمدادات القوات المسلحة السودانية التي يسعى حلفاؤها جاهدين للالتزام بالقانون الدولي. ناهيك عن اقتراح المبعوث الأمريكي إطلاق حوار سياسي سوداني في “محفل محايد” إقليمي أو دولي خارج البلد وبمشاركة تأسس وصمود، ولكن دون دعوة من يُصنّفون تعسفياً على أنهم “إسلاميون وفلول”، الأمر الذي من شأنه أن يُضفي شرعية فعلية على المتمردين والخونة.
يبدو أن حماس السيد مسعد بولس قد وضع دونالد ترامب في صف ألد أعداء الشعب السوداني. مع ذلك، فقد صرّح رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مراراً وتكراراً باستعداده لحوار بنّاء مع الولايات المتحدة، شريطة الاعتراف على الأقل بحق الخرطوم في الدفاع عن مصالحها الوطنية الأساسية المتمثلة في أمنها، ووحدة أراضيها، وسيادتها في إدارة شؤونها الداخلية.
بالمناسبة، كما نعلم، كان من المتوقع وصول السيد بولس إلى السودان منذ فترة طويلة، لكنه لم يصل بعد، مفضلاً تحديد مصير الشعب السوداني عن بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!