الطاهر يونس يكتب: عمر علي حسن.. الصرح الذي غاب

كان الأمس يوماً مربكاً للكيان الهلالي، ذلك الكيان الذي اعتادت وسائط عشّاقه أن تملأ الفضاء هتافاً وضجيجاً كلما خطا الهلال إلى الميادين أو تأهّب للنزال وعينه على نصر جديد. فبالرغم من الحضور الطاغي للأزرق في مباراته الثانية بدوري الأبطال أمام لوبوبو الكونغولي إلا أن شيئاً ما كان ناقصاً… كان الوهج خافتاً، والشغف منزوع الدسم، لأن غياب أحد أعمدة أمة الهلال منذ الفجر قد ظلّ مهيمناً على المشهد؛ غياب رجل في حضرته دوما ما يكتمل الهلال بدراً.
لم يكن اللواء عمر علي حسن شخصية عابرة تُطوى في سجل الأيام فالرجل تخرّج في مدرسة الانضباط بشرطة السودان كأحد كوادرها المرموقة، إذ جمع بين صرامة المهنة وسعة الاطلاع، وبين حزم المسؤولية ونعومة المفردة الأدبية وهو بلا شك صاحب كلمة أنيقة ،يكتب فيترك أثراً، ويحكي فيفتح للذاكرة نوافذها.
كان أول لقاء مباشر جمعني به في بيت السودان حين استضافتني رابطة الهلال بدبي. تحدّثتُ يومها عن الراهن الهلالي، وكان هو من أدار الحوار. وما إن استقام صوته على المنصّة وهو يقدمني للحضور حتى أدركت أنني أمام قامة هلالية جبّارة، وشخصية تدخل القلب من غير استئذان. كانت ليلة مطرّزة بالعشق الهلالي الصافي، ليلة لا تزال تقاوم كل شروط النسيان.
وبعد تلك الأمسية، دعاني – بكل الجمال السوداني – إلى مأدبة عشاء في منزله العامر، وقد أقلّني في مساء اليوم التالي ابنه المهندس أكرم… عاشقٌ متبتّل في محراب الهلال. وبصدق وبعيداً عن كرم الضيافة الذي كان حاضراً في كل تفصيلة فقد كنت في معية «سِفر» كامل من تاريخ الهلال. جلسةٌ من المتعة قلّ نظيرها أخذني فيها اللواء عمر في جولة عبر الأزمنة، يروي بحذاقة السارد وضوء الذاكرة الحيّة حكايات نابضة ومشاهد لا تزال تتلألأ في سجل الأزرق.
حدثني عن الكثير وعن الايام التي كان الهلال ونده المريخ يُداران فيها على أسس أخلاقية صلبة ومنظومة قيم لا تهزها حرارة التنافس ولا تكسرها المعارك الكروية علي شدتها وخشونتها احيانا.وسبحنا معاً في بحر من القصص الماتعة، كان هو ربانها يسوقها برشاقة قلمه الحاضر حتى في حديثه. وحكى كيف كان الانتماء هو البوصلة التي تحدد حمل الشعارفي ذلك الزمان وكيف أُنهم اتخذوا قرار بأخراج اللاعب الفذ سامي عز الدين (الذي صنع أمجاد المريخ )من غرفة تسجيلات الهلال حين عُلم بميوله المريخية دون أن تعتريهم حسرة أو ندم .
لم يكن الهلال وحده حاضراً تلك الليلة فقد حضرت الجزيرة وتربّعت على خضرة المساء، وكانت رفاعة – مدينة الإشعاع المعرفي ومنبع الوجدان السوداني – حاضرة بنصيبٍ وافر من الحكايات المشوّقة. للأسف كانت تلك أول وآخر جلسة تجمعني به، كفاحا ،لكن الوصل لم ينقطع عبر الوسائط وأثير الهلال. وحقاً كما قيل: «جلسة ما منظُور مثيلا».
رحمة ونور تتنزل على تلك القامة السامقة
على رئيس رؤساء الهلال وكبيره… على اللواء عمر علي حسن، الذي غاب جسداً وسيظل دوماً ضوءاً لا ينطفئ وخالص التعازي لأسرته ولأمة الهلال.




