اسامه ميرغني يكتب: السودان.. ماذا بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية؟

في ظل غياب مشروع سياسي وطني شامل، تبقى قراءة المشهد السوداني رهينة لتأثيرات الأحداث العالمية عليه. ولعل أبرز هذه الأحداث مؤخرًا هي الضربات الجوية الإسرائيلية ضد إيران، التي جاءت نتيجة اختراق أمني إسرائيلي متراكم على مدى سنوات، وليس قرارًا لحظيًا فقط. إنه نموذج حرب يونيو 1967م — عندما خاضت إسرائيل حربًا على أربع جبهات ضد جيوش عربية في وقت واحد وانتهت بهزيمتها — يقدم مثالًا على الحرب الاستخباراتية الناجحة بامتياز.
اليوم، تهدف استراتيجية إسرائيل في حربها مع إيران إلى إعادة رسم خريطة الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط وإنهاء حالة «اللاحرب واللاسلم» لصناعة سلام مضمون من وجهة نظرها. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي سلام موثوق قد يهدد أمنها القومي، كما تُظهر وقائع التاريخ: فقد اُغتيل الرئيس السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد تحت غطاء الإرهاب، وكذلك اُغتيل رئيس الوزراء رابين بسبب دعمه لمشروع السلام مع العرب.
وبناءً على منطق الأحداث، فإن هذه الحرب لن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة لإسرائيل ولا لإيران؛ فإطالة أمدها يتجاوز قدرات الطرفين. غير أن الاستراتيجية الحقيقية تتمثل في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في المنطقة — وهي خطة تعود جذورها المعلنة إلى عام 2004م، كما صرح بذلك قائد ثاني قوات التحالف حينها، الذي تحدث عن ضرورة تغيير الأنظمة في سبع دول: سوريا (تم)، العراق (تم)، لبنان (تم)، الصومال (تم)، ليبيا (تم)، وتبقى السودان ضمن هذه القائمة.
لقد خُصص لكل دولة نموذج يتلاءم مع ظروفها السياسية، لكن القاسم المشترك كان دائمًا صناعة مستنقع سياسي (وليس عسكريًا) يُظهر ضعف القيادة الوطنية ويمهد لنهاية عهد الحكم عبر تضخيم الذات. هناك مؤشر بالغ الأهمية في هذه الخطة: استهداف الجهاز المصرفي. فاليوم، 17 يونيو 2025م، شهدنا هجومًا سيبرانيًا على مصرف إيراني، مما يعكس أن أساليب الحروب قد تغيرت جذريًا؛ إذ بات الاستقرار المدني والاقتصادي هو ما يحدد قدرة الجيوش على الصمود. ويظل النظام المصرفي الإيراني، رغم العقوبات الأوروبية والأمريكية، شبكة فساد متجذرة تعرقل أي إصلاح داخلي.
ولا شك أن السودان بعد هذه الحرب يختلف عن السودان قبلها؛ إذ إن التحديات تتعاظم يومًا بعد يوم. ولا يزال رئيس الوزراء المعيّن، د. كمال إدريس، في مرحلة أشبه بدور «مندوب العلاقات العامة»؛ يتفقد، يلتقي، يستمع، ويعاين و وجهة — بينما تحتاج البلاد إلى قيادة فاعلة تتجاوز الزيارات البروتوكولية. ولنا في التجربة الإيرانية عِبرة.
ختامًا، نلتقي في رحاب الحوار السوداني-السوداني لصناعة بديل حقيقي، يحفظ الوطن من أن يكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
مركز السودان للدراسات السياسية والبحوث الاستراتيجية




