أسامه عبد الماجد يكتب: نسيان تأشيرة البرهان

0 ما هذا الهراء؟!.. أثارت تصريحات مستشار مجلس السيادة أمجد فريد سخرية واسعة حين قال: (ما زال جواز رئيس مجلس السيادة البرهان في السفارة الأمريكية في القاهرة ولم نتلق رداً حتى الآن) لكن أي رد هذا الذي ينتظره المستشار؟ فعدم الرد في حد ذاته رد كما أن الخطأ اختزال المسألة حول خلاف قانوني بين واشنطن والأمم المتحدة.. بعيداً اصل القضية، لذلك المشكلة في طريقة التعاطي معها.. فالمستشار وهو في الحقيقة ناشط لا يدرك أن السياسة الخارجية تتطلب قراءة أوسع للموقف وأنها لا تدار بالاحتجاجات والمكاتبات.. ولذلك عجز حتى الآن عن الوصول إلى السؤال الأهم ماذا بعد؟.
0 لا ينبغي ان تستنزف الحكومة السودانية طاقتها حول خلاف قانوني ان عدم إصدار التأشيرة مخالفاً لاتفاقية المقر.. ينبغي تجاوز محطة عدم منح التأشيرة. الرئيس لم يسافر إلى نيويورك ولم تصدر التأشيرة وانتهى هذا الأمر.. لكن العلاقات بين السودان والولايات المتحدة لم تنته وكذلك الحرب في السودان وايضاً المصالح الأميركية في السودان والمنطقة.. لذلك لا يعقل ان يبقينا أمجد فريد اسرى لقضية الجواز.
0 الطبيعي أن تنتقل الخرطوم فوراً إلى المرحلة التالية.. وهي الدخول في حوار سياسي مباشر وجاد مع واشنطن بعيداً عن الوسطاء والسماسرة.. بواسطة فريق يعرف كيف يتفاوض ويعرف ماذا يريد وما الذي يمكن أن يقدمه في المقابل.. قلت مساء امس الأول خلال استضافتي في التلفزيون القومي إن علينا تجاوز موضوع التأشيرة والدخول في حوار جاد مع واشنطن بواسطة فريق متمرس على غرار الفريق الذي فاوض الإدارة الأميركية في عام 2017.
0 في تلك التجربة لم يكن التفاوض مهمة وزارة الخارجية وحدها حيث شارك فيه.. وزراء الخارجية، المالية، الدفاع ومدير جهاز الأمن ومحافظ المركزي.. لأن العلاقة مع واشنطن هي سياسة وأمن واقتصاد ومال وعلاقات إقليمية.. وهذا بالضبط ما يحتاجه السودان اليوم.. الأسئلة التي لم يكلف امجد فريد نفسه أن يطرحها ولو على نفسه.. ماذا تريد واشنطن من السودان وماذا يريد السودان من واشنطن؟ وما الملفات التي يمكن الاتفاق عليها؟ وما الذي يمكن أن يقدمه السودان مقابل مواقف أميركية محددة ؟
0 علينا التركيز على العلاقة السودانية الأميركية فإذا كانت لدى الولايات المتحدة مخاوف سياسية أو أمنية أو إنسانية تجاه السودان.. فلتطرح بوضوح على الطاولة وإذا كانت لدى السودان اعتراضات على السياسة الأميركية تطرح هي الأخرى.. ويمكن أن يبدأ الوفد التفاوضي بطرح مقترح لفتح قناة حوار سياسي مباشر ومنتظم بين البلدين لمعالجة الملفات العالقة ووضع آلية واضحة للتواصل بين البلدين..كما ينبغي تقديم رؤية سودانية لإنهاء الحرب إلى جانب طرح آلية إنسانية تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها.. مع طلب دعم أميركي للجهود الإنسانية بعيداً عن التسييس.
0 ينبغي وضع خريطة طريق لمعالجة القيود والعقوبات وتسهيل التعاملات المصرفية والاستثمار والتعاون الاقتصادي بصورة تدريجية ومتبادلة.. ويبقى ملف أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي مهماً ويمكن بحث المصالح المشتركة في حماية الملاحة ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة ودعم الاستقرار في المنطقة.. كذلك ينبغي مناقشة العلاقات السودانية مع القوى الإقليمية والدولية على أساس أن الخرطوم تسعى إلى علاقات متوازنة بعيداً عن صراع المحاور.
0 ومن الضروري أيضاً الاتفاق على آلية واضحة للتعامل مع الزيارات الرسمية والتأشيرات مستقبلاً.. حتى لا تتحول قضية إجرائية إلى أزمة سياسية في كل مرة.. والأهم من كل ذلك أن يقوم التفاوض على مبدأ واضح.. لا نقدم شيئاً بلا مقابل ولا نطلب شيئاً بلا التزام من جانبنا.. بهذا الأسلوب يصبح التفاوض عملية سياسية حقيقية يتجاوز تبادل المطالب.
0 من الخطأ ان يكون المسار القانوني بديلاً عن التوجه السياسي فالسياسة هي التي تدير العلاقات بين الدول.. القائمة على المصالح والتفاهمات والتفاوض والقدرة على تقديم البدائل.. السودان يحتاج في هذه اللحظة إلى فريق تفاوضي قوي يمتلك تفويضاً واضحاً ويذهب إلى واشنطن وهو يعرف ماذا يريد.. نحتاج إلى وفد يطرح مصالحنا ويقدم مقترحات وما نستطيع تقديمه وما نريده منهم.. وإذا اختلف يختلف معهمعلى طاولة التفاوض لا على طريقة الناشطين
0 أن أزمة التأشيرة إذا أديرت بصورة صحيحة يمكن أن تكون مدخلاً.. لإعادة فتح ملف العلاقة السودانية الأميركية بصورة أوسع شريطة الخروج من عقلية رد الفعل.. بملف سياسي متكامل لمعرفة موقف المسؤولين الأميركيين.. وكيف نجعلهم يعرفون موقف السودان الحقيقي.. هذه هي المعركة السياسية التي تستحق أن نخوضها.
0 ومهما يكن من أمر.. أمام الحكومة خيار واحد إما أن تظل تفكر بعقلية امجد فريد وتظل تشرح لماذا لم تمنحها واشنطن التأشيرة أو أن تتجاوز الواقعة وتبدأ التفاوض على ما هو أهم.
السبت 26 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




