أسامه عبد الماجد يكتب: عبث العودة الطوعية

0 ظهرت مبادرات كثيرة خلال الفترة الماضية لتسهيل العودة الطوعية للسودانيين من الخارج خاصة مصر.. سواء من جهات رسمية أو شعبية.. البداية الأقوى والأكثر تنظيماً كانت من منظومة الصناعات الدفاعية.. التي قدمت تجربة مبهرة طوال الأشهر الماضية حيث تكفلت بترتيب الرحلات وإيصال العائدين حتى منازلهم.. مع تقديم دعم غذائي لهم.. وهو جهد كبير يستحق التقدير والإشادة وكان وقتها – غض النظر عن كل شئ – رسالة سياسية وانسانية مطلوبة حققت اهدافها بنجاح.
0 وتوسعت مع مرور الوقت دائرة المبادرات بصورة واضحة ودخلت جهات أخرى على الخط.. مثل جهاز المخابرات – لا ادري لماذا؟ – ووزارات وهيئات حكومية ورجال أعمال ومجموعات مجتمعية.. ووصل الأمر إلى تأسيس أجسام متخصصة لهذا الملف مع عقد اجتماعات رسمية وإطلاق تعهدات حكومية بتسيير البصات وتقديم مزيد من الدعم للعائدين.. ورغم تقديرنا لكل هذه الجهود الرسمية والشعبية.. لم اجد سبباً مقنعاً لتركيز الاهتمام كله على العودة نفسها.
0 بينما التحدي الحقيقي يكمن في تهيئة البيئة المناسبة للاستقرار بعد العودة.. دون شك أن تسهيل العودة يمثل جزءاً مهماً من الحل وفيه ايجابيات.. لكنه ليس الحل الكامل لأن نجاح العودة مرتبط بوجود خدمات أساسية مستقرة.. مثل الكهرباء والمياه والصحة والأمن وفرص العمل.. وفي حال غياب هذه المقومات قد يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام واقع صعب يدفع بعضهم للتفكير في المغادرة مرة أخرى.
0 ومن المؤسف أن لجنة تهيئة بيئة العودة لولاية الخرطوم التي كانت تقوم بدور مهم خلال الفترة السابقة برئاسة عضو مجلس السيادة المهندس إبراهيم جابر.. تراجع نشاطها بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة بعد انتقال إدارتها إلى رئيس الوزراء بسبب “غيرته” من همة ونشاط جابر ولا أجد سبباً غير ذلك.. ومنذ ذلك الوقت فقدت اللجنة كثيراً من فعاليتها بل ماتت.. واصبحت مثل زيارات كامل ادريس الخارجية بلا لون او طعم او اثر.. الأمر الذي خلق فجوة حقيقية في ملف يعتبر من أهم الملفات الوطنية حالياً.. وانعكس ذلك سلبا بشكل مباشر على الأوضاع الأمنية والخدمية داخل الخرطوم.
0 يجب ان تكون الأولوية الآن لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.. وليس فقط تسيير رحلات العودة.. فإعادة الكهرباء للمناطق الصناعية في بحري بها نحو (450) مصنعا وأم درمان اكثر من (600) مصنعاً يمكن أن تعيد هذة المصانع للعمل.. بتضافر الجهود واستنفار اصحاب المصانع انفسهم.. وهو ما سيوفر آلاف من فرص العمل للعائدين والشباب داخل السودان.. ويكون دافعا لتحريك عجلة الانتاج والمحال التجارية في الاحياء والأسواق.. وقد تسهم الخطوة في تخفيض المعيشة واطفاء نيران الغلاء التي جعلت الكثيرين يهربون من الخرطوم الى الولايات.
0 كذلك فإن تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية وتوفير الأدوية والمعدات الطبية.. يمثل خطوة أساسية لتحقيق أي استقرار حقيقي وحسنا فعل مجموعة من الزملاء في هذا الملف.. وربما يكون من الأفضل توجيه جزء من الأموال التي تصرف على برامج العودة إلى دعم القطاع الصحي والخدمي.. لأن تحسين الخدمات سيشجع الناس على العودة بصورة طبيعية ومستدامة دون الحاجه لتسيير قطارات وبصات.
0 وتمنيت لو وجه مستشار رئيس الوزراء مصلح نصار تبرعه الشخصي باعادة ثلاثة آلاف سوداني من مصر.. للقطاع الصحي بدلاً من دعم العودة الطوعية غير المدروسة.. وهذة سانحة لندعو الجهات الحكومية بعدم تقديم الدعم لجهات شعبية ومجتمعية تنشط في برامج العودة الطوعية لعدم وجود دراسات حقيقية حول جدوى العودة وليس تشكيكاً في دورهم.
0 واتمنى من تلك الجهات ان لا تتضجر من دعوتي لان تهيئة بيئة العودة هى الأهم كما اسلفت.. ومشروع تهيئة العودة لا يخدم العائدين فقط وانما سيحول المشروع إلى قوة دفع تلقائية لعودة الآخرين.. فعندما يجد من هم داخل السودان تحسناً ملموساً في الخدمات وفرص العمل سيقومون بدورهم بحث أهلهم وجيرانهم وأصدقائهم في مصر وغيرها على العودة.
0 هذه الدعاية الواقعية أقوى بكثير من أي مبادرات رسمية أو حملات إعلامية لأنها تنطلق من تجربة معيشة حقيقية.. مواطن يقيم في احد احياء العاصمة بمقدوره ان يعيد اسرة كامله من مصر وعلى نفقتهم الشخصية لو كتب رسالة نصية مطمئنة عبر “واتساب”.. او قام بتصوير مقطع فيديو قصير جدا عن انتعاش سوق شعبي صغير في الاحياء مثل سوق ابوحمامه بالخرطوم على سبيل المثال.. نجاح الداخل هو المحفز الأكبر لعودة الخارج وليس الترويج الإعلامي المزيف.
0 إن تضافر الجهود مطلوب لكن الأهم هو توجيهها بوعي نحو الأولويات الحقيقية.. ان قياس نجاح العودة الطوعية بقدرة العائدين على الاستقرار والعيش بكرامة.. والمساهمة في إعادة بناء ما تضرر وتوفر الأمن.. وليس بعدد الرحلات التي تم تسييرها وتصويرها .. قد يكون الحماس لمشاريع العودة مفهوماً لكنه لن يكون كافياً ما لم يترجم إلى عمل جاد يعالج جذور المشكلة.. ان تهيئة البيئة المناسبة هي الأساس الحقيقي لأي عودة ناجحة ومستدامة وهي الطريق الأقصر لإقناع بقية السودانيين بالعودة إلى الوطن.
0 ومهما يكن من أمر .. كفى مبادرات ضعيفه وجولات واسفار مسؤولين دون جدوى.
سبب أخير
ليت من يعرف الرجل الذي حمل رئيس الوزراء على كتفيه في لندن.. يسأله نيابة عنا ماذا قدم د. كامل حتى نحمله في أعيننا وقلوبنا لا على الأكتاف فقط.
الاثنين 18 مايو 2026
osaamaaa440@gmail.com




