رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: رئيس تائه !! 

 

0 ربما كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات الأسبق الفريق أول محمد عطا المولى بهذه الدرجة من الأريحية والبشاشة.. جمعتنا مائدة غداء في منزله بمدينة إسطنبول التركية بحضور عدد من الأصدقاء.. حيث تقاسمنا (شهي الطعام وشهي الكلام) كما يحلو لصديقي وأخي عبد الماجد عبد الحميد أن يصف مثل هذه اللقاءات.
0 استفدت من حالة الانفتاح التي بدأ عليها المهندس وأمطرته بوابل من الأسئلة قبل الغداء وأثناءه.. فكانت إجاباته أكثر صراحة مما توقعت حتى حرمه المصون الدكتورة مها الشيخ التي اكرمت وفادتنا اغتنمت الفرصة بدورها وطرحت بعض الأسئلة.. فقلت لها مازحاً: (خلينا نتولى نحن مهمة السؤال).. لترد ضاحكة: (محمد كتوم وهذه فرصة لا تفوت).
0 ومن بين الأسئلة العابرة التي طرحتها عليه طبيعة علاقته بقائد الدعم السريع والاجتماعات التي كانت تجمعهما.. كان يرتشف من الشوربة ثم رفع عينيه قليلاً من خلف نظارته الطبية وأجاب بهدوئه المعتاد.. ذلك الهدوء الذي يجمع بين قلة الكلام وكثرة الإنجاز سيما وأنه قاد الجهاز باقتدار في مرحلة مفصلية من تاريخ المخابرات السودانية.. قال: (ما كنت بلاقيهو لأني ما كنت فاضي وكان بيجتمع مع نائبي).
0 تذكرت ذلك اللقاء الجميل رغم القلق الكبير الذي كان يساور محمد عطا بشأن مستقبل البلاد.. وقد مضت عليه ست سنوات تذكرت كذلك كيف كان وقت مدير جهاز الأمن ثميناً إلى هذا الحد.. وأنا أتابع اليوم الطريقة التي يهدر بها رئيس الوزراء كامل إدريس وقته في ملفات تبدو بعيدة عن أولويات المرحلة.. وكأنه يدير دولة أوروبية مستقرة تنعم بالرفاهية.. لا بلداً يواجه واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية ومهدد في وجوده من الرمم والمرتزقة.
0 تعيش بلادنا هذة الايام تحت ضائقة اقتصادية خانقة وتتآكل معها القدرة الشرائية للمواطنين يوماً بعد يوم..  ويواصل الجنيه انهياره المريع أمام العملات الأجنبية بصورة مخيفة.. وتتصاعد أسعار السلع والخدمات التي اثقلت كاهل الأسر وضاعفت من معاناتها.. وكان المأمول في مثل هذه الظروف الاستثنائية أن تتجه كل جهود كامل نحو معالجة الأزمات المعيشية الملحة.. بدلاً من ان يضطر الرئيس والفريق ابراهيم جابر للتدخل “وبكرة يجي كامل يكورك”.. كما فعل في لجنة تهيئة العودة الى الخرطوم التي قبرت بذهاب جابر.
0 كان المأمول سعي رئيس الحكومة لوضع حلول عملية لوقف التدهور الاقتصادي بدلاً من الانشغال بملفات لا تمثل أولوية مباشرة للمواطن الذي أصبح همه الأول توفير احتياجاته الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات العيش.. وبمتابعتي نشاط كامل إدريس خلال اليومين الماضيين نجده قد التقى الناظر محمد الأمين ترك والناظر علي دقلل – كل على حدة -.
0 ومع كامل التقدير والاحترام للزعيمين الأهليين الكبيرين وما يتمتعان به من مكانة راسخة وتاريخ مشهود في القيادة والحكمة.. ومع التحية لقبيلتيهما الكريمتين وما عرف عنهما من أصالة وإسهام في خدمة الوطن.. فإن هذه اللقاءات لا تبدو ملحة بالقدر الذي يبرر منحها هذه الأولوية في هذا التوقيت.. كما اجتمع كامل برجل أعمال يجمع بين نشاطين مختلفين تماماً فهو مستثمر في قطاع الفنادق ومالك لمدارس قرآنية.
0 ومع ذلك ناقش معه ملفي السياحة والتعليم في آن واحد.. وكالعادة تم ذلك في غياب وزير التربية وأمينة مجلس السياحة ـ إن كانت لا تزال في موقعها.. كذلك زار كامل برفقة وزيرين الرمز الإعلامي البروفيسور علي شمو.. رغم أن حكومته كانت قد أوفدت وزيري الخارجية والإعلام لاستقباله عند وصوله إلى الخرطوم.. ولم يكتف بذلك بل حرص أيضاً على تسجيل حضور في استاد الخرطوم.
0 كما اجتمع بلجنة المصالحات القبلية بولاية سنار.. وكان الأجدى في تقديري أن يلتقي والي سنار لمناقشة ملفات أكثر ارتباطاً بالتنمية والإنتاج.. مثل الزراعة أو فرص الاستثمار في الموز الذي يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة تفوق عائدات الذهب إذا ما أحسن استغلاله.. وقد لا يعلم كامل أن المملكة السعودية ” القريبة مننا” تستورد الموز من الإكوادور الواقعة في أمريكا الجنوبية.
0 ومن المفارقات أن كامل منشغل هذه الأيام بمتابعة مشروع إنشاء مليون وحدة سكنية.. نعم (مليون) وقد انعقد الاجتماع الأول للمشروع برئاسة وزير الحكم الاتحادي.. وبحضور وزيري الثروة الحيوانية والاتصالات إلى جانب مسؤولين والحقيقة أن المشكلة لا تتعلق بكامل وحده وفشله في ادارة وقته وانما فشل حكومته في ادارة مواردها ايضاً.. تطرح في مشاريع ضخمة في وقت هى عاجزة عن العودة إلى مقارها السابقة واضطرت إلى استئجار مقار جديدة بالدولار.
0 حتى كامل يعقد اجتماعاته من منزله بعد أن خضع لعمليات تأهيل وصيانة شاملة.. وليته لو كان شفافاً واعلن عن مصدر نفقات تلك الأعمال.. وكذلك توضيح ما يثار حول المبالغ الدولارية التي يقال إنه يتقاضاها في كل رحلة خارجية ويتردد انها تفوق نثريات السفر المنصوص عليها.. وقد بلغت رحلاته حتى الآن نحو عشر دون أن يلمس المواطن نتائج أو فوائد ملموسة تعود على البلاد منها.
0 إن أخطر ما تواجهه البلاد بعد الجنجويد هو غياب الإحساس بخطورة الوضع كما كتب أمس صديقنا د. خالد التجاني.. فالبلاد تعيش أوضاعاً اقتصادية وأمنية واجتماعية بالغة الخطورة.. وكامل يهدر في الوقت ويشتت الجهد في ملفات ثانوية ويؤجل القضايا المصيرية.. والمواطن يدفع يومياً ثمن الحرب والتدهور الاقتصادي وانهيار الخدمات وفشل الحكومة.
0 ومهما يكن من أمر.. نحتاج قيادة – والحديث يشمل الجميع – تدرك خطورة المرحلة وتتعامل مع الوقت باعتباره أثمن مورد وتنشغل بالقضايا الحقيقية.

الجمعة 12 يونيو 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!