أسامه عبد الماجد يكتب: حسابات المخابرات

0 دارت في ذهني أسئلة كثيرة قبل أن يبدأ مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل حديثه أمام رؤساء التحرير وكبار الصحفيين. ماذا سيقول الرجل الهادئ في هذا التوقيت.. وما الرسائل التي يريد إيصالها وهل سيكتفي بالحديث عن الحرب ومآلاتها.. أم سيذهب إلى ما هو أبعد ويضع أمام الحضور صورة للمخاطر التي تحيط بالبلاد ومستقبلها.
0 كانت الأسئلة كثيرة لكن الإجابات حملت أكثر من معلومات وكشفت عن قراءة أمنية عميقة.. تتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها قضية دولة تتجاوز الحرب الدائرة في الميدان إلى معركة المعلومات.. وتداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية.
0 من هذه الزاوية يمكن قراءة حديث مفضل الذي تجاوز تفاصيل الحرب إلى ملفات معقدة ستحدد مستقبل الحكومة والبلاد.. حيث تحدث عن ثلاثة هواجس داخلية وتناول الأمن من أكثر من زاوية.. فربطه بالمجتمع والاقتصاد وعلاقات السودان مع محيطه الإقليمي.. هذا هو الأمن القومي الشامل مما يؤكد أهمية دور جهاز المخابرات في هذه المرحلة.
0 هذه في تقديري حلقات متصلة فضعف الاقتصاد يمكن أن يزيد التوتر الاجتماعي الذي يضعف الأمن.. وضعف الأخير بدوره ينعكس على الاقتصاد والسياسة والمجتمع.. ولذلك أهمية المخابرات في أي دولة أنها ترى ما قد لا تراه المؤسسات الأخرى..وهذا ما جعل مفضل يضع الأمن الهاجس الأول ودعا إلى ضرورة حماية كل شبر من أرض الوطن لادراكه في الوقت نفسه أن توقف القتال لا يعني انتهاء آثار الحرب.
0 أما الملف الاقتصادي فهو التحدي الثاني الذي أشار إليه الجنرال وهو لا يقل خطورة.. فالبلاد تعاني اقتصاديا وهي الآن أكثر عرضة بسببه للاضطراب.. وكلما طال أمد الحرب ازدادت الحاجة إلى قراءة اقتصادية أمنية.. ترصد شبكات التمويل والتهريب والاقتصاد المشبوه.. وكل الأنشطة التي يمكن أن تستغل حالة الحرب والضعف الاقتصادي.
ومعلوم بالضرورة أن المخابرات لا تحل محل المؤسسات الاقتصادية.. فقط توفر لها المعلومات التي تساعد الحكومة على فهم المخاطر المحيطة باقتصادها.. لكن المشكلة أن المخابرات يقع عليها عبء ثقيل بسبب ضعف الحكومة وغياب الرؤية لديها.
0 اما حديث الرجل عن علاقات السودان مع دول الجوار فقد استوقفني.. حيث دعا إلى الحوار مع تشاد وإثيوبيا وليبيا ومثل ذلك قدرا كبيرا من الواقعية السياسية والأمنية.. فالسودان لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي ودول الجوار ستظل جزءا من محيطه مهما كانت الخلافات كما قال. لذلك يبقى الحوار وسيلة مهمة لحماية المصالح وتقليل فرص التوتر والتصعيد.
0 هذا فهم متقدم من الجنرال كون مسؤولية المخابرات في العالم تشمل متابعة البيئة المحيطة بالدولة.. في تاريخ العمل الاستخباري قصة معروفة للضابط السوفيتي ريتشارد زورغه الذي عمل في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية وتمكن من بناء شبكة من المصادر ونقل معلومات مهمة إلى بلاده. الدرس الأهم في قصة زورغه أن قيمة المعلومة تكمن في وصولها في الوقت المناسب وتحليلها بصورة صحيحة. فالمعلومة التي تصل قبل وقوع الخطر تمنح السودان فرصة للتحرك.. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي واجه بلادنا.. ومدى حاجتها إلى جهاز قادر على قراءة مسار الحرب ومتابعة الحدود وفهم التحولات داخل المجتمع.. ورصد مصادر التمويل والتهريب ومتابعة ما يجري في دول الجوار.
0 وهذا ما نجح فيه مفضل وربما ذلك دفعه لينتهز فرصة الحضور الصحفي الكبير ويودع رسائل في بريد المحرضين لإفساد علاقات السودان بجواره.. ويقيني أن مفضل يدرك الملفات التي تحتاج إلى مواجهة.. وتلك التي يمكن التعامل معها عبر الحوار.. ولذلك لم أقلق من مده يده بيضاء للجيران الذين تأذينا منهم.
0 مفضل أمام مسؤولية كبيرة رغم تقديرنا أن نجاح العمل الاستخباري لا يقاس دائما بما يراه الناس.. وقد يكون النجاح الحقيقي في خطر تم اكتشافه قبل وقوعه أو أزمة جرى محاصرتها.. قبل أن تتسع أو معلومة وصلت إلى صانع القرار في الوقت المناسب.. هذه هي طبيعة العمل الاستخباري.. الحرب قد تحسم واقعا على الأرض لكن حماية الدولة وبناء مستقبلها يحتاجان إلى أكثر من السلاح.
0 ومهما يكن من أمر.. يحتاجان إلى معلومة صحيحة وقراءة دقيقة.. وتقدير سليم وقرار رشيد ورجل مثل مفضل.
السبت 12 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




