أسامه عبد الماجد يكتب: لغز الوقود

0 هل المشكلة في الوقود أم في طريقة استيراده وتمويله؟.. وهل سأل أحدكم لماذا لم تشهد السنوات الأولى من الحرب أزمة في إمدادات الوقود بالحجم الذي نراه اليوم؟.. رغم ان الصادر وقتها كان ضعيفاً وتعرضت موارد النقد الأجنبي في بنك السودان وفرع ولاية الخرطوم والبنوك التجارية للنهب على يد المليشيا المتمردة.. وكان مجمل الأوضاع في البلاد خصوصاً في المرحلة الأولى من الحرب غاية في الصعوبة والتعقيد.. ومع ذلك كانت إمدادات الوقود أكثر انتظاماً وكان سعر الصرف أكثر استقراراً نسبياً.. فماذا كان يحدث آنذاك؟
0 كتب كثيرون عن أزمة الوقود الحالية وعن الندرة وارتفاع الأسعار والتجاوزات ومافيا المواد البترولية.. لفهم الأزمة الحالية لا بد من العودة إلى تلك الفترة حيث أنشأ بنك السودان المركزي في 25 يوليو 2024
محفظة لاستيراد السلع الاستراتيجية.. برأسمال يقارب مليار دولار بهدف توفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الأساسية.. وفي مقدمتها الوقود وكان بنك الخرطوم هو المصرف الرئيسي المشارك في المحفظة.. بعد عجز بقية البنوك في تمويل المحفظة.
0 كانت عملية استيراد الوقود تبدأ من وزارة النفط التي تحدد الاحتياجات والفجوة الشهرية من البنزين والجازولين وبقية المشتقات.. ثم تطرح العطاءات وتتقدم الشركات بعروضها وتقوم لجنة تضم ممثلين لوزارة النفط والمالية وبنك السودان والأمن الاقتصادي والجمارك وجهات أخرى.. بدراسة العروض واختيار الموردين والكميات.. بعد ذلك تخاطب وزارة النفط محافظ بنك السودان بأسماء الشركات والكميات ومواعيد الشحن والقيمة المطلوبة ليتم توفير النقد الأجنبي وتمويل الشحنات من خلال المحفظة.
0 كانت أهمية هذه الآلية أنها وفرت الدولار لموردي الوقود عبر القنوات الرسمية.. فلم يعد المورد مضطراً إلى اللجوء إلى السوق الموازي لتمويل شحناته.. وبذلك ساعدت الآلية على انتظام الاستيراد وخففت الضغط على سوق الصرف وعلى تكلفة استيراد الوقود.. وكانت النتائج مذهلة فبحسب بيانات التجارة الخارجية لبنك السودان بلغت قيمة واردات الجازولين نحو 993 مليون دولار في 2022.. و546 مليون دولار في 2024، ثم هبطت إلى نحو 120 مليون دولار فقط في 2025.. كما انخفضت واردات البنزين من نحو 253 مليون دولار في 2022 إلى 164 مليوناً في 2024 ثم 102 مليون دولار في 2025.
0 الامر المحير قد يكون إذا كانت المحفظة تمول مورداً مثلاً بأربعين مليون دولار فمن أين كانت تأتي هذه الدولارات؟..
كانت دورة التمويل تعتمد على استخدام الجنيه السوداني من المورد في شراء الذهب ثم تصديره ومن حصائل الصادر يتم توفير الدولار ليستخدم بعد ذلك في تمويل الواردات الاستراتيجية.. وهكذا تتحول الموارد المحلية إلى ذهب.. ثم إلى دولار ثم إلى وقود وسلع استراتيجية بعيداً عن السوق الموازي.
0 وقد نصت منشورات بنك السودان أيضاً على استخدام حصائل صادرات الذهب الحر.. وذهب شركات مخلفات التعدين في تمويل استيراد السلع الاستراتيجية ومن بينها المنتجات البترولية.. ولذلك العلاقة مباشرة بين الوقود والذهب.. فالوقود ضروري للتعدين ولكن مع شح الجازولين في مناطق التعدين تراجع النشاط والإنتاج مما آثر في حركة الذهب والنقد الأجنبي ثم انعكس ذلك بدوره على قدرة الاقتصاد على تمويل الواردات.
0 الخطورة في الأمر إن أزمة الوقود تخطت محطات الخدمة – وكامل ادريس آخر من يعلم – وقد امتدت إلى التعدين والنقل والزراعة والصناعة وسوق الصرف وأسعار السلع والخدمات.. يجب التذكير انه كانت هناك آلية استطاعت خلال مرحلة سابقة من الحرب.. توفير النقد الأجنبي لموردي الوقود عبر القنوات الرسمية.. وكان بنك السودان قد خصص محفظة لهذا الغرض ثم أصدر منشوراً يقصر استيراد المشتقات البترولية عليها.. فالطبيعي تكرار التجربة الناجحة.
0 اما اليوم انخفضت واردات الجازولين و تغيرت طريقة تحديد الاحتياجات واختيار الموردين.. وتغيرت طريقة توفير النقد الأجنبي وآلية تمويل الشحنات.. ولا احد يعلم من يدير عملية الاستيراد والتمويل اليوم.. لأن طريقة الاستيراد والتمويل تؤثر في تكلفة الشحنة وانتظام وصولها والكميات المتاحة في السوق.. وفي النهاية في السعر الذي يدفعه المواطن.
0 إن معالجة أزمة الوقود ينبغي أن تتجاوز البحث عن شحنات جديدة أو الحديث عن نقص الإمدادات.. حيث تبدأ بمراجعة منظومة الاستيراد والتمويل نفسها ومعرفة ما الذي تغير فيها وأثر ذلك على الكميات والتكلفة وسعر الصرف.. للأسف الحكومة تجهل ان الوقود مدخل أساسي للتعدين والزراعة والنقل والصناعة والتجارة.. وأي خلل في عمليات توفيره ينتقل سريعاً إلى بقية الاقتصاد.
0 ومهما يكن من امر.. إذا واصلت الحكومة التعامل بهذا النهج فستتمدد الصفوف أكثر ويأتي وقت تجد فيه القيادة نفسها خارج الصف وقد تجاوزتها الأحداث والشارع .
الأحد 4 أكتوبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




