رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: قبل ترشيح البرهان

 

0 حسناً فعل القائد البرهان عندما حسم موقفه ورفض الفكرة جملة وتفصيلاً واستنكر توقيتها.. إذ كان من أكثر الأمور إثارة للاستغراب تكرار الدعوات المنادية بترشيحه لرئاسة الجمهورية.. وذهبت أبعد من ذلك بالمطالبة بترقيته إلى رتبة أعلى.. القضية ليست في أن يكون البرهان مرشحاً ولا في أن يرى البعض أنه الشخص المناسب لقيادة السودان.. هذا حق سياسي يمكن مناقشته عندما يحين وقته.. كاتب السطور كان من أوائل من اقترحوا حل مجلس السيادة.. ولكن ليس لمنح البرهان الرئاسة دون استحقاق وإنما لإنهاء ظاهرة تعدد الرؤساء، والمضي نحو الانتخابات في غضون عامين بما يسهم في فك العزلة السياسية المفروضة على البلاد من الغرب الأوروبي والأمريكي مروراً بالاتحاد الأفريقي.
0 لكن المشكلة الآن في التوقيت وفي الطريقة التي يتم بها تقديم البرهان.. وتحويل التأييد الطبيعي له كقائد للجيش.. إلى حملة سياسية مبكرة تهدف إلى تقديمه وصناعة صورته كرئيس.. فالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تقتضي الفصل بين دعمه كقائد للجيش في معركة وطنية.. وبين الترويج السياسي المبكر لمشروع رئاسي
0 في تقديري البرهان لا يحتاج إلى هذه الحملات الآن.. الشعب السوداني يعرف ويقدر أنه يقود الجيش في حرب مصيرية.. استطاع خلالها أن يحظى بتأييد قطاعات واسعة من السودانيين.. الذين يرون في الجيش حصن الوطن في مواجهة المليشيا الإرهابية .. هذا التأييد وحده أكبر من أي حملة ترشيح مصطنعة.
0 والحقيقة أن من يبالغون في ترشيح البرهان الآن قد يضرونه أكثر مما ينفعونه.. لأنهم يضعونه من حيث لا يشعرون في صورة تشبه صورة بعض الرؤساء الذين أحاطوا أنفسهم بدوائر من (حارقي البخور).. لا يرون في الزعيم إلا كل ما هو جميل ولا يقدمون له إلا ما يحب أن يسمعه.. وهذه هي بداية تقرب بطانة السوء من القصر.
0 لقد عرف التاريخ العربي والأفريقي نماذج عديدة لهذه الظاهرة الخطيرة.. في عهد الرئيس المصري حسني مبارك تضخمت مع مرور السنوات.. دائرة المصالح والولاءات حول مؤسسة الرئاسة والحزب الحاكم.. حتى أصبحت العلاقة بين السلطة والمجتمع أكثر تباعداً.. وانتهى الأمر بسقوط النظام أمام احتجاجات شعبية واسعة في 2011 رغم القبضة الأمنية.. وفي تونس كان زين العابدين بن علي محاطاً بدائرة أمنية وسياسية وعائلية.. لاحقتها اتهامات واسعة بالفساد والمحسوبية وانتهى حكمه أيضاً بثورة شعبية.. وبعد فوات الأوان قال لهم (الآن فهمتكم).
0 أما النموذج الأشهر في صناعة الصورة الشخصية للزعيم فهو معمر القذافي.. الذي لم يكتف طوال سنوات حكمه لليبيا بصناعة ألقاب استثنائية لنفسه.. حيث نسج أيضاً شبكة واسعة من العلاقات والولاءات في أفريقيا.. حتى وصل الأمر إلى أن مجموعة من القادة والزعماء التقليديين الأفارقة منحته في عام 2008 لقب (ملك ملوك أفريقيا) وفي الوقت نفسه كان يحيط به عدد من المقربين.. الذين ارتبطت أسماؤهم بمركز القرار لعقود.
0 لا أقصد بهذه الأمثلة تشبيه البرهان بمبارك أو بن علي أو القذافي.. حاشاه وقد عهدناه (عسكري أغبش مننا وفينا) لكن يجب أن يحذر.. من ظاهرة تحوله إلى ساحة منافسة بين المقربين في مدحه.. ثم صناعة هالة سياسية حوله.. وإقناعه بأن مستقبله السياسي مضمون قبل أن تنتهي مهمته الحالية.
0 لن يحتاج البرهان إلى حملة ترشيح إذا نجح في المهمة التي ينتظرها منه السودانيون.. فالشعب سيمنحه ثقته عندما تنتهي الحرب بانتصار الجيش والشعب بكسر شوكة مليشيا الدعم السريع.. واستئصال سرطان أولاد دقلو وعودة مؤسسات الوطن إلى كامل سيطرتها على البلاد.. وعندما يثبت قدرته على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع سياسي وطني وليس إلى سلطة شخصية
0 سينحاز الشعب إلى لبرهان عندما يأتي بحكومة قوية ذات كفاءة.. تستطيع أن تتعامل مع اقتصاد شبه منهار.. وأن توقف النزيف وتعيد الإنتاج وتضبط الأسواق وتواجه الفساد.. وتعيد للخدمة المدنية مؤسساتها وتضع برنامجاً واضحاً لإعمار ما دمرته الحرب.. حكومة برنامج ومحاسبة وقرارات وليس مثل حكومة كامل ادريس و “شلته” التي عذبت الشعب.
0 المواطن يعاني من إرتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملة.. ونقص الخدمات وتدمير المصانع والمزارع والبنية التحتية.. وبصراحة لا تعنيه كثيراً حملة الرئيس القادم.. بقدر ما يهمه وجود حكومة قادرة على توفير الأمن والغذاء والدواء والتعليم والكهرباء.. ولذلك نجاح أي حكومة مقبلة سيكون أحد أهم المعايير التي سيحكم بها الناس على البرهان أو غيره.
0 لا يكفي أن تنتهي الحرب عسكرياً إذا ظل الاقتصاد منهاراً.. ولا يكفي أن تعود الخرطوم إذا بقيت الحكومة عاجزة عن إدارة الولايات.. ولا يكفي أن تنتصر القوات المسلحة إذا لم يتحول هذا الانتصار إلى استقرار دائم.. وسيكون على البرهان إذا أراد أن يحتفظ بثقة السودانيين.. أن يثبت أنه قادر على مغادرة عقلية إدارة الحرب والانتقال إلى مشروع بناء الدولة.
0 ومن أهم مؤشرات ذلك أن تعود الحياة إلى طبيعتها في الولايات التي استقرت فيها الأوضاع.. وأن تتراجع المظاهر العسكرية وتستعيد الشرطة والقضاء والإدارة المدنية أدوارها الطبيعية.. وأن يضطلع الجيش بحماية الدولة ولا يكون بديلاً عن مؤسساتها.
0 ويبقى اتفاق جوبا للسلام بحاجة إلى معالجة شجاعة.. فلا يمكن أن يستقر السودان إذا ظل يحتضن جيوشاً متعددة وقرارات عسكرية وسيادية متعددة.. كفاية ابتزاز سياسي وإرضاء للقيادات السياسية والعسكرية التي استفادت من ترتيبات جوبا.. وعلى رأسها مناوي قائد تيار (شوية مع دُول وشوية مع دُول) .. كل هذه الملفات أهم الآن من مشروع (البرهان رئيساً).. كما إن فتح معركة الرئاسة مبكراً قد يكون خطراً على البرهان نفسه لأنه يمكن أن يحول التأييد الذي يحظى به إلى استقطاب سياسي.
0 البلاد تحتاج إلى مؤسسة عسكرية قوية.. بعيداً عن شخصنة المؤسسة وربطها بقائدها.. وكذلك يجب أن تخضع الترقيات العسكرية لقوانين المؤسسة العسكرية وضوابطها.. وأن تكون بعيدة عن المزايدات السياسية وهتافات الانتهازيين.. وعن محاولات صناعة صورة سياسية للبرهان تخلط بين العسكري والسياسي، بصورة لا تخدمه ولا تخدم الجيش.
0 سيكون انتصار البرهان الحقيقي في استعادة البلاد لعافيتها.. وفرض هيبتها وبناء مستقبلها وهو انتصار سيشهد عليه السودانيون.. لا – الجيوش الإلكترونية – بما عاشوه ورأوه ولمسوه خلال الحرب..شهادة حقيقية لا يشوبها (التلفيق) ولا يصنعها (التصفيق) ..ولا تسندها حملات التلميع والدعاية البائسة.
0 ومهما يكن من أمر.. الكلمة للشعب لا لـ (الهتيفة).. وننتظر من البرهان بالقدر ذاته أن يستنكر لقب (الكاهن) الذي يطلق عليه.

الأحد 6 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!