أسامه عبد الماجد يكتب: العلاج السحري

0 يبدو أن الحكومة اكتشفت علاجاً سحرياً لكل أزمات البلاد بتشكيل لجنة.. أزمة في الوقود (لجنة) ارتفاع في الأسعار (اجتماع) الدولار يرتفع (خلية).. الاستيراد يتعثر (لجنة أخرى).. والاقتصاد قد ينهار ولسان حال حكومة كامل لا تقلقوا سنشكل لجنة لدراسة أسباب الانهيار.. المشكلة أن الحكومة تتحرك بسرعة الاجتماعات بينما السوق يتحرك بسرعة الدولار.. والمواطن المغلوب على امره لا يستطيع أن يقول لصاحب “الدكان” : (أجل لي ديوني إلى أن تنتهي الحكومة من اجتماعاتها).
0 في يونيو الماضي رأينا كيف تفكر الحكومة وتدير ملف الوقود.. في 11 يونيو اجتماع برئاسة عضو السيادي ابراهيم جابر لتوفير المشتقات البترولية وكبح سعر الصرف وتفعيل لجنة التركيبة التسعيرية.. وفي اليوم التالي مباشرة يرفض رئيس الوزراء ان “يفوته المولد” ويعقد اجتماعاَ للجنة اقتصادية.. ويتخرج بتوجيه للدخول مباشرة في استيراد المشتقات البترولية.
0 ثم في 14 يونيو – اليوم الثاني لاجتماع كامل – اجتمع الرئيس بمحافظ البنك المركزي وجاء توجيه بفرض ضمان عيني ضخم على شركات استيراد الوقود (200) كيلو غرام من الذهب.. قد تكون لكل خطوة مبرراتها.. لكن جاء أغسطس ليؤكد أن موسم اللجان لم ينتهِ بعد.. لجنة وطنية لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء وخلية لمعالجة سعر الصرف برئاسة وزير المالية.. و “اخرتها” بالأمس لجنة للمخالفات والأنشطة المضرة بالاقتصاد برئاسة وزير الدفاع.
0 يبدو أن رئيس الوزراء اكتشف أخيراً أن ضمن فريقه وزير دفاع.. بعد أن نسيه في دكة البدلاء ولكن خرج الوزير بعد طول صمت وقام بعملية احماء ليصرح بأن مليشيا الدعم السريع الإرهابية المتمردة كانت تابعة للمؤتمر الوطني.. وأن الجيش لم يصنع الدعم السريع وأنها لم تكن يوماً جزءاً من القوات المسلحة.. وهكذا قرر المدرب كامل إشراكه في مباراة اللجان.. لعل وعسى أن يضيف شيئاً إلى تشكيلة الفريق البائس صاحب الأداء المخجل.
0 هذة اللجان بخلاف اللجان الموجودة أصلاً داخل الوزارات وبنك السودان والأجهزة الرقابية.. السؤال كم حكومة لدينا ؟.. حيث ان المسؤولية أصبحت مثل كرة القدم.. كل جهة تمررها إلى الجهة الأخرى؟.. المشكلة ليست في تشكيل اللجنة والتي قد تكون مفيدة.. لكن الكارثة عندما تتحول اللجنة إلى بديل عن المؤسسة.. وتكرار اللجان التي تبحث الموضوع نفسه.. ليت لو اسدى احدهم النصح الى كامل بان قوة الحكومة في خروج القرار من قناة واحدة تملك الصلاحيات وتتحمل المسؤولية والمحاسبة.
0 أصبح المواطن لا يعرف لماذا لم يعد راتبه يكفيه حتى منتصف الشهر.. والمستثمر لا يعرف كيف تسير الأمور والمستورد لا يعرف شروط الاستيراد.. والتاجر لا يعرف إلى أين يتجه سعر الصرف.. ان المواطن لا يأكل محاضر الاجتماعات ولا يدفع فاتورة الكهرباء ببيان صحفي.. ولا يشتري الخبز بتوصية لجنة.
0 ولعل أكثر ما أضحكني وصديقي الصحفي النابه محمد جمال قندول.. تعليق صاحب تاكسي في دولة صديقة رداً على قندول عندما اشار إلى حجم العمران والمشروعات .. فرد عليه بسخرية معهودة فيهم : (نحن ح ننام تحت الكباري ولا ح ناكل كباري؟ ).. وهي جملة تلخص أسئلة تدور في ذهن اي مواطن ورسالة في بريد الحكومة – اي حكومة – .. ما قيمة المشروعات والمظاهر العمرانية إذا كان الإنسان نفسه عاجزاً عن توفير احتياجاته الأساسية ؟!.
0 الأغرب في حكومة كامل انها تتعامل مع سعر الصرف وكأنه مشكلة يمكن حلها بإنشاء خلية جديدة.. لكن لن يستقر الجنيه ولن يتراجع الدولار لأنه عقد اجتماعاً مطولاً.. يبدأ الحل من توحيد مركز القرار الاقتصادي، جهة واحدة تقود السياسة الاقتصادية وتحدد الأولويات.. وتنسق بين المالية والبنك المركزي والتجارة والطاقة مع منع تضارب القرارات بين المؤسسات.
0 ثم تأتي الخطوة التالية برسم سياسة اقتصادية معلنة وثابتة.. في ملف الاستيراد المطلوب بناء رقابة ذكية بعيدا عن خنق القطاع الخاص بشروط تعجيزية.. يمكن استخدام خطابات الضمان المصرفية والتأمين على الشحنات والتحقق من المستفيد الحقيقي.. ومراجعة السجل التجاري والضريبي وربط قيمة الضمان بحجم العملية وقدرة الشركة المالية.
0 كما أن حسم ملف الشركات الوهمية لا يحتاج إلى الشعارات التي رفعها كامل ادريس أو حملات مؤقتة.. الحل في تنظيف حقيقي وجاد لسجلات الشركات يبدأ بإلغاء الاسماء الوهمية التي لا وجود لها إلا على الورق.. ويمتد إلى فتح ملفات المتورطين في تحويل الأموال والتلاعب بعمليات الاستيراد والتصدير.. ومحاسبة كل من ثبت تورطه دون حصانات أو مجاملات.. وفي المقابل يجب أن تكون الدولة حريصة على حماية الشركات الجادة التي تعمل فعلياً.. حتى لا تتحول محاربة الفساد إلى ذريعة لتعطيل النشاط الاقتصادي وخنق المستثمرين الحقيقيين
0 ونشهد أن ملف ضبط الشركات كان قد شهد خطوة جادة في عهد وزير التجارة السابق د. الفاتح عبد الله.. الذي بدأ في بورتسودان بالزام الشركات بإعادة التسجيل من جديد.. حتى يعرف الجميع الشركات الحقيقية من التي لا تعدو أن تكون.. أسماء وهمية وكيانات ورقية تستخدم لتمرير الأموال والتلاعب بالتجارة وحصائل الصادر.. وضع د. الفاتح – يا له من َزير خسرته الحكومة – يده على واحدة من أخطر أبواب الفوضى الاقتصادية.. لا سيما وان عدد الشركات المسجلة قبل الحرب تجاوز (34) ألف شركة.
0 بالنسبة لسعر الصرف على الحكومة التوقف عن التعامل معه باعتبارة مشكلة منفصلة عن الاقتصاد.. يجب العمل على زيادة الصادرات وضبط حصائل الصادر.. وتنظيم تجارة الذهب وتشجيع الإنتاج المحلي.. وتقليل الطلب غير الضروري على النقد الأجنبي، ومحاربة التهريب.. والأهم قبل ذلك إعادة الثقة في النظام المصرفي وجعل القنوات الرسمية أكثر أماناً.. وأسرع وأقل تكلفة من السوق الموازي… ومن السذاجة الاعتقاد بان المواطن والتاجر سيتركا السوق الموازي لمجرد أن الحكومة طلبت منهما ذلك.
0 وبشأن ملف الوقود وبعيداً من من ترك السوق كل يوم أمام مفاجأة جديدة.. المطلوب اعلان سياسة واضحة تمنع تعدد مراكز القرار.. يجب أن يعرف السوق من المسؤول عن الاستيراد والتسعير والتوزيع.. وأن تكون هناك آلية شفافة للتسعير مع رقابة حقيقية على التهريب والاحتكار.. كما أن الحكومة مطالبة بضبط الإنفاق العام
لا يمكن أن تطلب من الآخرين تحمل أعباء الأزمة.. بينما يستمر الإنفاق الحكومي بلا سقوفات.
0 اما الحل الأكبر والشامل هو انتقال الحكومة من إدارة الملفات إلى إدارة النتائج.. كل قرار اقتصادي يجب أن تكون له مدة زمنية وهدف قابل للقياس.. إذا لم يحقق القرار هدفه يراجع ويغير وتحدد الجهة المسؤولة عن الفشل.. على سبيل المثال هل قيمت الحكومة قرار حظر السلع؟.. المؤكد الاجابة لا لأن اصدار القرار لم يعتمد على دراسة.
0 ومهما يكن من أمر .. السودان يحتاج حكومة صاحبة قرار حتي بشأن الحرب.
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




