رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: ذهب السودان وساويرس

 

0 توقعت أن تبادر الحكومة بالرد على التحذيرات التي أطلقها الصديق والزميل عطاف مختار.. بشأن الاتفاقية التي يعتزم وزير المعادن توقيعها مع شركة صينية.. والتي تمنحها حق التنقيب عن النحاس في ولاية البحر الأحمر.. لمدة ثلاثين عاماً وقد وصفت بالمجحفة إذ لا تتجاوز حصة السودان 30% من الأرباح.. وهي نسبة قد تتآكل أكثر بعد خصم الديون الصينية القديمة المستحقة على الحكومة من عوائد المشروع..وتبلغ القيمة المعلنة للصفقة نحو 300 مليون دولار فقط.
0 ويمثل هذا الاتفاق، بحسب عزيزنا عطاف تفريطاً في الموارد السيادية.. وتهديداً لحق الدولة في الإدارة والتحكم بمواردها الاستراتيجية.. كما حذر المجلس الاستشاري لشرق السودان من المضي في تنفيذ هذه الخطوة.. وكان من المتوقع كذلك أن توضح الحكومة حقيقة ما أثير حول إبرام مصر عقوداً لإنشاء 108 مناجم ذهب في شمال السودان.. خاصة أن الحكومة المصرية سارعت إلى نفي التصريحات المنسوبة لوزير البترول.. بشأن هذا الأمر ووصفتها بأنها أخبار كاذبة وأزمة مفتعلة.
0 إن مثل هذه الصفقات إلى جانب الصمت غير المبرر حولها.. تثير الشبهات وتفتح الباب أمام أطراف أخرى للسير في الطريق ذاته الذي سلكته الشركة الصينية.. كما تجعل الحكومة عرضة للضغوط والابتزاز طالما أنها تقبل بعوائد محدودة لا تتناسب مع حجم الموارد الوطنية.. وهذة مناسبة جدير التذكير بكيفية تعامل حكومة الإنقاذ مع حالة مشابهة.. تمثلت في طموحات رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أحد أبرز المستثمرين العالميين في قطاع الذهب والذي يمثل المعدن الأصفر اليوم نحو 70% من إجمالي محفظته الاستثمارية.. وتمتلك شركاته حصصاً كبيرة في مناجم وشركات تعدين حول العالم، معتمداً على استراتيجية الاستثمار طويل الأجل في الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.. رغم خسارته نحو 600 مليون دولار خلال الشهر الماضي نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط.
0 وعرف عن نجيب باستغلال الأزمات وانخفاض أسعار أسهم شركات التعدين لزيادة استثماراته.. وخلال كلمته في افتتاح الملتقى المصري السوداني الأول لرجال الأعمال عام 2024 بالقاهرة.. أكد الرجل أن السودان يمتلك فرصاً استثمارية استثنائية.. مشيراً إلى أن له استثمارات سابقة في مجال التنقيب عن الذهب. وأضاف أنه تخارج من السودان في أواخر عهد الرئيس البشير وقلبه يقطر دماً بسبب صعوبات التعامل في تلك الفترة.
0 غير أن الحقيقة أن ساويرس لم يتخارج بإرادته وإنما تمت مخارجته.. ففي ذلك الوقت كان وزير المعادن كمال عبد اللطيف – الذي ينسب له ماحققه السودان في هذا القطاع – ولم توقع الحكومة أو وزارة المعادن أي اتفاق مع ساويرس.. كما لم يكن لهما أي دور في امتلاكه لأسهم في شركة أرياب.. وذلك ان الشريك الفرنسي (لامنشاه) كان يمتلك 44% من أسهم أرياب منذ تأسيسها مطلع التسعينيات.. وعندما عرضت الشركة أسهمها في البورصة بمدينة تورنتو الكندية قام ساويرس بشرائها مباشرة ليصبح شريكاً للحكومة السودانية عبر حصة الشريك الفرنسي.
0 وقبل ذلك يحسب للوزير كمال عبد اللطيف سعيه لنقل رغبة الحكومة السودانية في شراء تلك الأسهم.. إلا ان إدارة شركة لامنشاه التي كانت تواجه ضغوطاً أمريكية وبسبب الفيتو السوداني الذي رفعه الوزير كمال ضد بيع الأسهم.. إضطرت الإدارة إلي بيع الشركة بكاملها وبكل أصولها في السودان وساحل العاج وأستراليا.. لنجيب
فأصبح ساويرس مالكاً للشركة الفرنسية ورغم ذلك لم تتغير تركيبة الشراكة أو أسماء المساهمين.. إذ ظلت بين حكومة السودان ولامنشاه كما أن الشركة الفرنسية كانت قد حاولت سابقاً الاستحواذ على نصيب السودان في أرياب وتحويل ملكيتها إلى شركاء أجانب لكن كمال عبد اللطيف رفض تلك العروض.
0 وبعد استحواذ ساويرس على لامنشاه عرض على الحكومة السودانية تمويل مشروع إنتاج النحاس المعروف بمشروع (VMS) وهو مشروع كانت أرياب تبحث عن تمويل له منذ سنوات وتحتاج فيه إلى نحو 450 مليون دولار.. مقابل أن تبيع له الحكومة حصتها البالغة 56% في أرياب.. إلا أن كمال عبد اللطيف رفض العرض دفاعاً عن المصالح الوطنية، ويبدو أن الأمر يتعلق بالمشروع نفسه – النحاس – الذي يثار حوله الجدل اليوم.
0 وبعد مغادرة كمال للوزارة ظن ساويرس أن الفرصة أصبحت مواتية لتحقيق أهدافه.. والاستحواذ على أرياب والتوسع في شرق السودان.. لكنه فوجئ بأن خلفه أحمد الكاروري يتبنى الموقف نفسه.. وانهما وجهان لعملة الوطنية والتجرد.. فقد بدأ الكاروري من النقطة التي انتهى عندها كمال والقائمة على أن يوفر كل طرف جزءاً من التمويل اللازم لمشروع النحاس، خاصة بعد تعهد وزير المالية علي محمود لكمال بتوفير حصة السودان من التمويل المطلوب.
0 عندها وجد ساويرس نفسه أمام خيارين إما أن تبيع الحكومة حصتها له ليصبح المالك الكامل للشركة.. أو أن تشتري الحكومة حصته ويخرج من الشراكة.. وفي النهاية وافقت الحكومة على شراء حصته البالغة 44%، وتمكنت وزارة المعادن في عهد الكاروري.. بالتنسيق مع شركة أرياب والرئيس البشير من توفير التمويل اللازم وإكمال الصفقة لينتهي وجود ساويرس في الشركة مع استمرار رغبته في العودة للاستثمار بالسودان.
0 وكانت ترددت معلومات عن نية ساويرس الدخول في شراكة ذهب مع الباغي الشقي حميدتي حميدتي.. وذلك ما يدفعنا إلى الربط بين ذلك وبين إشادته بظهور حميدتي عام 2024 وإعادة نشره مقطع فيديو له..كما وصف خطاب حميدتي بأنه جميل وصريح ووطني.. وقد واجه ساويرس انتقادات واسعة بسبب ذلك.. قبل أن يرد بأنه محب للسودان ويقول انه يرى أن الصراع الدائر هو صراع بين الماضي والمستقبل الراغب في الديمقراطية.
0 إن السودان يمر اليوم بمرحلة مفصلية تستوجب من الحكومة عدم التهاون في إدارة موارده الوطنية.. وأن تقتدي بالمواقف التي تبناها كل من كمال عبد اللطيف وأحمد الكاروري في رفض التفريط في أصول البلاد وثرواتها.. وقبل أيام قليلة تعاملت السلطات المصرية بحزم مع اضطرابات داخل حدودها.. وإذا ثبتت مبررات ذلك فلن يلومها أحد.. والمفارقة أن ساويرس نفسه وجه الشكر للقوات المصرية، مؤكداً أنها استجابت لنداء شركات التعدين والعاملين بالقطاع لمواجهة ما وصفه بإجرام عصابات التعدين العشوائي.
0 ومهما يكن من أمر.. فإن ما وصل إليه السودان اليوم هو نتيجة مباشرة للتهاون في بعض الملفات الحساسة وسياسة التكتم التي أحاطت بها.

الخميس 25 يونيو 2026
Osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!