ابراهيم محمود يكتب: إشكالية الهدنة والسلام المفروض والإقصاء السياسي في السودان

تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب تصاعدًا في المبادرات الدولية والإقليمية التي تقودها الأمم المتحدة والآلية الرباعية وغيرها من الأطراف الساعية لوقف القتال وفرض هدنة سياسية تمهد لعملية انتقالية جديدة. ورغم أهمية أي جهد يهدف إلى وقف نزيف الدم وحماية المدنيين، فإن جزءًا واسعًا من الجدل السياسي في السودان يدور حول طبيعة هذه المبادرات، وحدود التدخل الخارجي، ومدى احترامها لمبدأ المشاركة السياسية المتساوية بين القوى السودانية المختلفة.
يرى منتقدو هذه المبادرات أن بعض التصورات المطروحة تتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها مجرد مشكلة أمنية يمكن حلها عبر ترتيبات دولية وضغوط دبلوماسية تحقق مصالح الدول الخارجية ، بينما يتجاهل هذا المنظور تعقيدات المجتمع السوداني وتاريخه السياسي وتوازناته الاجتماعية والفكرية. ويذهب هؤلاء إلى أن أي تسوية لا تنطلق من حوار سوداني واسع قد تنتج هدنة مؤقتة، لكنها لن تؤسس لسلام دائم أو شرعية مستقرة.بل تودى الى اطالة امد الحرب وعدم الاستقرار.
ويستند هذا الرأي إلى تجارب دولية عديدة أظهرت أن سياسات “الاجتثاث السياسي” أو العزل الكامل قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فكثير من الباحثين في علم السياسة يرون أن الاستقرار طويل المدى يحتاج إلى إدماج القوى المؤثرة داخل المجال السياسي، مع الفصل بين حق المشاركة السياسية وبين المساءلة القانونية الفردية عن أي تجاوزات أو جرائم.
وفي هذا السياق، يطرح بعض المفكرين السودانيين سؤالًا أساسيًا:
هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية عبر استبعاد تيار سياسي كامل بسبب تجربة حكم سابقة؟
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن مبدأ المواطنة السياسية يفترض المساواة في الحقوق العامة، بما في ذلك: • حق التنظيم،وحرية التعبير، والمشاركة السياسية السلمية، والتنافس عبر صناديق الاقتراع.
كما يشيرون إلى أن الانتقائية السياسية قد تُضعف مفهوم المواطنة نفسه، إذا أصبحت بعض التيارات تُعامل باعتبارها “خارج المجال الوطني” بدلًا من التعامل معها عبر الآليات الديمقراطية والقانونية.
ومن زاوية أخرى، ينتقد البعض ما يعتبرونه “وصاية دولية غير مباشرة” على القرار السوداني، معتبرين أن بعض المبادرات الدولية تُعطي أولوية لرؤية القوى الخارجية أكثر من أولويات الداخل السوداني. ويرى هؤلاء أن الأمم المتحدة والآليات الدولية ينبغي أن تلعب دور الوسيط والميسر، لا دور الطرف الذي يحدد مسبقًا من يحق له المشاركة ومن يُستبعد من العملية السياسية.
منذ اندلاع الأزمة السودانية وتعثر العملية السياسية بعد 2019، برز سؤال جوهري في النقاش الوطني:
هل يمكن بناء استقرار دائم عبر التدخل الخارجى وإقصاء تيارات سياسية واجتماعية واسعة من المجال العام؟
هذا السؤال ليس سودانيًا فقط، بل واجهته دول عديدة خرجت من الحروب أو الثورات أو الأنظمة السلطوية. والتجارب العالمية تكشف أن طريقة التعامل مع القوى المرتبطة بالنظام السابق كثيرًا ما تحدد مستقبل الاستقرار أو الفوضى.
أولًا: الفرق بين العدالة والإقصاء
في العلوم السياسية يوجد فرق مهم بين:المحاسبة القانونية الفردية على الجرائم والفساد،• وبين الإقصاء الجماعي السياسي لتيار كامل أو شريحة اجتماعية واسعة .
فالديمقراطية الحديثة تقوم على مبدأ:
المواطنة السياسية المتساوية”،
أي أن الحقوق السياسية لا تُسقط عن جماعات كاملة بسبب الانتماء الفكري أو السياسي، طالما التزمت بالعمل السلمي والقانوني.
ولهذا ترى كثير من مدارس علم الاجتماع السياسي أن:الاستقرار يحتاج العدالة،لكنه يحتاج أيضًا الإدماج السياسي وعدم تحويل الصراع إلى معركة وجودية.
من التجارب العالمية الناجحة فى الاندماج ، بدلاً عن الإقصاء تجربة جنوب أفريقيا بقيادة الزعيم مانديلا. وكانت النتيجة، تجنب حرب أهلية واسعة، والحفاظ علي موسسات الدولة، وانتقال سياسي اقل تكلفة. وتجنب الانهيار الشامل، الذى كان ممكناً لو تم التعامل بمنطق الاجتثاث.
النموذج الثانى دول أوربا الشرقية ،بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والأنظمة الشيوعية .
لم تمنع الاحزاب الشيوعية فى معظم الدول ، بل تم تشكيل نفسها سياسياً فى كل من بولندا، والمجر ، ورومانيا، وبلغاريا ودخلت قوى مرتبطة بالنظام السابق فى العملية الديمقراطية. وكانت الفكرة الأساسية استقرار الدولة اهم من الانتقام السياسي.
فى المقابل لابد من الإشارة لتجارب الدول التى تبنت الإقصاء السياسي ونتائجها السلبية. ومنها تجربة اجتثاث البعث فى العراق، حيث تم إبعاد ملايين المواطنين وحل الجيش ، وكانت النتيجة انهيار موسسات الدولة واحتلال العراق ودخول البلاد فى دوامة طويلة من العنف والدمار والانقسام. كثير من الباحثين الغربيين اعتبروا لاحقاً الإقصاء كان خطأً استراتيجياً.
كما تمثل افغانستان نموذجا اخر للتدخلات الخارجية والإقصاء الذى ادى إلى صراع استمر لعقود .
ولنا عبرة فى تجربتنا السودانية. حيث عانى السودان منذ العام 2019 من تدخلات خارجية كثيفة واقصاء واسع شمل عشرات الألاف حتى من الفنيين وموظفي الدولة من موسسات الدولة ، واستهداف حتى الشركات الخاصة واصحاب العمل . مع خطاب سياسي يقوم على الإقصاء، مما ساهم فى تعميق الاستقطاب واضعاف التوافق الوطنى . خاصة الإقصاء الذى تم عبر الاتفاق الإطاري، الذى ادى الى الحرب فى أبريل 2023 . وكانت النتيجة اكبر كارثة إنسانية فى تاريخ السودان حيث شرد اكثر من عشرة مليون مواطن وقتل عشرات الآلاف وتم عمليات تطهير عرقي وقتل واغتصاب ونهب ممنهج على نطاق واسع.
ًمسؤولية الحكومة الحالية :
تواجه السلطة القائمة في السودان اليوم لحظة تاريخية شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب الحرب وآثارها الكارثية، بل بسبب طبيعة الخيارات السياسية التي ستحدد شكل الدولة السودانية في المستقبل وإنقاذ الدولة من الانهيار الشامل . وأخطر ما يمكن أن تنزلق إليه أي سلطة انتقالية أو عسكرية هو الاعتقاد بأن الاستقرار يمكن أن يتحقق عبر الإقصاء السياسي، أو عبر بناء تحالفات ضيقة تستند إلى القوة والسند الخارجي بدل الشرعية الوطنية الشاملة. يكفى البلاد سبع سنوات من التكالب على السلطة واقتناص الفرص للوصول لكراسي السلطة والوزارات .
يجب ان لا ننتظر الحلول من الخارج . السلام لا ياتى من الخارج، والحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تأتي من الخارج.
في العلوم السياسية، تتحمل أي سلطة قائمة المسؤولية الدينية والأخلاقية والوطنية ويجب عليها :
حماية الدولة من الانهيار الشامل عبر التدخلات الخارجية والاقصاء ومنع الانقسام المجتمعي وحماية مفهوم المواطنة وعدم دفع البلاد نحو معادلات صفرية.
كما توكد كل التجارب العالمية والوطنية ان الاستقرار فى البلاد لن يتحقق فقط بالقوة او العزل ، بل ببناء دولة تقوم على العدل والمساواة والحوار الوطنى الشامل والسيادة الوطنية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والمؤسسات والعمل المؤسسى. فى ظل دولة ديمقراطية لامركزية فدرالية.



