أسامه عبد الماجد يكتب: عودة السافنا وقبله (القُبة)

0 كثيراً ما سألني القراء الكرام والزملاء الأعزاء وفي مقدمتهم حبيبنا صاحب الذكاء الإعلامي العالي هيثم التهامي.. عن عدم الكتابة حيال (توبة) النور القُبة وانشقاقه عن التمرد الإرهابي.. ولكن مع إعلان متمرد آخر هو رزق الله الشهير بـ (السافنا) انقسامه عن الميليشيا الإجرامية أمس.. وقبلهما الموقف الواضح للشيخ موسى هلال بالقتال إلى جانب الجيش.. صار التعليق لزاماً كملف أمني وسياسي مهم قبل ان يكون قضية سياسية واجتماعية قد تحدد مصير الحرب نفسها.
0 يجب ان تكون النظرة للعائدين والمنشقين فرصة لاستثمارها.. لأنه من الناحية السياسية والعسكرية أي انشقاق داخل المليشيا.. يضعف تماسكها الداخلي ويضرب الباغي الشقي حميدتي واخوانه المجرمين في مقتل.. مما يمثل مكسباً كبيراً للحكومة والحرب قبل ان تكون معركة سلاح.. هى أيضاً معركة تغيير الولاءات داخل الحواضن القبلية.
0 كذلك يجب النظر لتوقيت الانشقاقات والتي تتزايد مع تضييق الخناق العسكري على الميليشيا.. مما يشير إلى أنها انشقاقات اضطراريه أملتها ترجيح كفة القوات المسلحة وليست انسلاخات اختيارية قائمة على مبدأ..
ومن المكاسب أيضاً ان العائدين ذو ثقل اجتماعي من ذات البيئة التي خرج منها أولاد دقلو رغم اختلاف الفروع (محاميد وماهرية) .. يرسل رسالة قوية أن الحرب ليست ضد قبيلة الرزيقات أو إقليم دارفور.. انما ضد مشروع سياسي وعسكري عائلي بامتياز.. مدعوم بأجندات خارجية وظهير سياسي داخلي متمثل في قحت بمسمياتها المختلفة.
0 ويحسب للحكومة حكمتها في عدم الانزلاق لمربع الانتقام الجماعي من الرزيقات.. وقد لاحظنا حملات مغرضة ضد ابنائها مثل التي طالت العالم النبيل البروفيسور سليمان صالح فضيل.. تماماً كما لم تعاقب الإنقاذ قبيلة الدينكا بجريرة تمرد ابنها جون قرنق.. رغم محاولات البعض للتحريض ضد عشائر عربية بدارفور وكردفان بسبب انحياز زعمائها للمليشيا.. وهنا تبرز أهمية تفعيل دور الإدارة الأهلية من الوطنيين لتنظيم العودة.. بحيث ترتبط بكيانات اجتماعية تعود بكامل ثقلها إلى حضن الدولة.. ولا ترتبط باشخاص يحملون السلاح.
0 لهذا السبب يبدو أن الحكومة ورغم احتجاجات قطاعات واسعة.. تميل إلى سياسة فتح الباب للعائدين بدل الإقصاء الكامل.. خاصة إذا كان المنشق يمتلك قوات أو نفوذا ميدانيا أو وزنا قبليا أو معلومات عسكرية مهمة.. ويمتلك القدرة على تفكيك الحاضنة الاجتماعية للمليشيا..لكن يقفز سؤالاً مهماً هل للحكومة خطة للتعامل مع هؤلاء ؟.. المؤشرات تقول نعم.
0 ويجب ان تقوم على تفكيك الميليشيا تدريجياً عبر تشجيع الانشقاقات الفردية والجماعية.. ولذلك كثيراً ما يعلن الرئيس البرهان في خطاباته الترحيب بالقادمين.. ومرد ذلك خبرته العميقة بتقاطعات دارفور الاجتماعية وقد عمل فيها لفترة تمتد لأكثر من عقد.. ويدرك أن فتح باب التوبة يخلق حالة من الشك داخل صفوف العدو.. لكن قبل تلويح البرهان بغصن الزيتون فان الأوضاع تحتاج إلى عملية جراحية معقدة مثل فصل توأمين.
0 لكنها عمليات أمنية وقانونية بالغة الخطورة فهناك معضلة عدلية وأخلاقية تجابه الحكومة.. كيف ستقنع الضحايا في الفاشر أو الجنينة او الةزيرة او اي مكان في السودان أن من روع أمنهم بالأمس وقتل واغتصب ونهب يجلس اليوم في ضيافتها ؟.. إن تجاوز هذا الملف يحتاج لرؤية توازن بين الضرورة العسكرية لشق صف المليشيا.. وبين الحقوق القانونية للضحايا والمتضررين.
0 كذلك كيف ستطمئن الحكومة حلفائها من الحركات المسلحة دون أن تفقد العائدين الجدد.. ولنتحدث بصراحة متناهية فعلى سبيل المثال تعتبر شمال دارفور معقل احدى القبائل غير العربية ذات ثقل سياسي واقتصادي.. تحمل ثارات قديمة ومريرة مع بعض هؤلاء العائدين مثل النور القبة.. كلها اسئلة تنتظر اجابات مباشرة من الحكومة ؟.
0 كذلك مما اثار القلق اهداء البرهان سيارة للقبة.. وهي بالمناسبة من أسطول الرئاسة العام وليست مخصصة للرئيس شخصياً كما روج البعض.. لكنه في تقديري تكتيك سياسي مطلوب يظل تحت سقف الاستخدام المرحلي.. وحق التساؤل هل لدى الحكومة خطة مسبقة لاستيعابهم أو احتوائهم؟.. اذا الاجابة بنعم يجب ان تستند الي الحيلولة دون تحول العائدين إلى مراكز قوى مستقلة.. وان يتم توظيف نفوذهم أولاً لخلخلة الحاضنة الاجتماعية للميليشيا.. مع عدم منحهم ثقة مطلقة أو مواقع حساسة تعيد إنتاج مأساة الباغي الشقي من جديد.. هل لاحظتم ان السافنا قال (انا ما دعم سريع).. يرى نفسه نداً لأولاد دقلو وهو مؤشر إلى تضخم (الأنا المسلحة) التي يجب التحسب لها.
0 حسناً.. ان أكبر مشكلة ستواجه السودان بعد الحرب واكبر من معضلة نزع السلاح.. هى كيفية إعادة بناء الثقة بين القبائل خاصة في دارفور وكردفان ويقع على الصحافة دور كبير.. لكن ماذا نقول عن زملاء كبار يختزلون السودان في الخرطوم !! .. الكثير من القبائل في دارفور أصبحت مرتبطة بالحرب بصورة أو بأخرى.. وبعضها يشعر اليوم بأنه مستهدف أو مهدد.. وإذا لم يتم التعامل مع ملف العائدين بذكاء فقد تتحول الانشقاقات نفسها إلى صراعات مستقبلية.. لذلك الحاجة اكبر لمصالحات اجتماعية وقبلية.. وان تبني الحكومة مشروع دولة يتجاوز الانتماءات المسلحة والقبلية.
0 ومهما يكن من امر.. المرحلة حرجة وتتطلب الجلوس للتفكير بدلاً من جولات الاسواق والميادين ومقابلات “ناس فلان” وزيارة الفاتيكان.
الثلاثاء 12 مايو 2026
osaamaaa440@gmail.com




