عثمان جلال يكتب: إنهاء الحرب وتفكيك (مليشيا دقلو)

(1)
كما تعلمون فإن الحرب هي إدارة السياسة بأدوات العنف وكل الحروب السودانية السابقة منذ التمرد الأول 1955 الى التمرد في دارفور 2003 انتهت بالتفاوض على مبادي تقاسم السلطة والموارد بين المركز والأقاليم والتي تمردت على السلطة المركزية ويعزى ذلك لأن كل جذور ومسببات هذه الحروب كانت نتيجة عبقرية الإخفاق السياسي الداخلي ورغم استثمار الخارج في الحركات المتمردة لصالح أجندته الخبيثة إلا أن قناعتي الراسخة أن قضايا البناء الوطني والديمقراطية المستدامة يجب إدارتها في فضاءات الحوار الفكري والثقافي والسياسي السوداني/ السوداني المفضي إلى حلول استراتيجية ومستدامة تنهي الدورة الشريرة التي مازت السياسة السودانية منذ الاستقلال والمتمثلة في نظام ديمقراطي تعددي تستحكم تناقضاته ثم ينتهي بانقلاب عسكري متلفح بشعارات الأمن والتنمية والرفاه والوفاق والسلام ثم تختزل السلطة في أقلية فاسدة ومستبدة ومتعازلة عن المجتمع ثم تتلاقى إرادة القوى السياسية مع عزائم المجتمع وتطيح بنظام الفساد والاستبداد عبر انتفاضة شعبية ، ثم ينفض التوافق بين القوى السياسية والمجتمع قبل انجاز مهام المشروع الوطني الديمقراطي.
(2)
في كل الحروب السابقة وظفت الحركات المتمردة الدعم الخارجي لصالح قضاياها المطلبية الداخلية دون اندماج مطلق مع الأجندة الخارجية الخبيثة .وكانت حروب هذه الحركات موجهة نحو السلطة المركزية القائمة ولم تمس البنية التحتية لمؤسسات الدولة السودانية وممتلكات المجتمع باستثناء أحداث عرضية وفردية ولكن في حرب 15 أبريل 2023م تمكن العقل الصهيوني المخطط للحرب من السيطرة الكلية على أدواته الداخلية والمتمثلة في قيادة مليشيا آل دقلو الإرهابية وصمود وتوجيه آلة الحرب العدوانية لتدمير البنية الاقتصادية والثقافية والعسكرية والاجتماعية والهوياتية أي كل رأس مال الدولة السودانية ومحرمات المجتمع . ولكن على قدر الشدائد تسمو الهامات والعزائم الوطنية فلا غرو توصيف المجتمع السوداني لهذا العدوان بالحرب الوجودية ومعركة الكرامة والشرف الوطني ولا غرو أن تداعى كل المجتمع السوداني للقتال كتفا بكتف مع الجيش.
(3)
لقد شكلت حرب 15 أبريل 2023 لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الحروب السودانية بعد الاستقلال فلأول مرة تتوحد إرادة المجتمع والقيادة والجيش على إنهاء الحرب بالقضاء المبرم على المليشيا الإرهابية في الميدان أو التفاوض على الاستسلام ومحاكمة قيادات المليشيا وصمود .
إن هذا الاصطفاف الوطني الفريد يشكل بدايات التفاؤل والثقة بأن معركة الكرامة آخر الحروب السودانية وواجبنا ترسيخ واستمرار هذا الاصطفاف والتوافق الاستراتيجي بين القوى السياسية والمجتمع والقيادة لإنجاز قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي المستدام ،وصناعة الريادة الحضارية الشاملة، وبلوغ السودان إلى الدولة الإقليمية الكبرى المؤثرة في مجرى السياسة الدولية.
(4)
أن حرب 15 أبريل معركة وعي في أبعادها الاستراتيجية لذلك يجب أن يتزامن مع مسار العمليات العسكرية ضد المليشيا تكثيف الحوار الرسمي والشعبي وعبر كل المنصات التفاعلية والإعلامية مع قيادات وقاعدة المليشيا في الميدان من ضباط وضباط صف وجنود ، وكذلك التواصل مع قيادات الإدارة الأهلية وزعماء الطرق الصوفية وكل رموز المجتمع المنحازين في صف المليشيا وكل الحاضنة المجتمعية والإثنية وحفزهم على فك الارتباط بينهم وبين أسرة آل دقلو المتماهية مع المشروع الصهيوني الهادف إلى تفكيك السودان أو اغراقه في دوامة صراع الهويات القاتلة .
أو إدماجه في محور التبعية الصهيونية . كما يجب استثارة الوعي الوطني وسط حاضنة المليشيا حتى تدرك أنها تقاتل من أجل تمكين أسرة آل دقلو من حكم السودان، أو الانفصال والاستئثار بحكم دارفور وعندها سترتد بندقية آل دقلو والماهرية إلى كل القبائل والمكونات المجتمعية التي تقاتل الآن من أجل مشروع أسرة آل دقلو التصفوي.
إن الشفرة السحرية لحسم معركة الكرامة لصالح الشعب والجيش تتمثل في تحطيم رمزية الإرهابي حميدتي وسط المليشيا والحاضنة المجتمعية وإقناعهم بأنهم محض أدوات وظيفية لهذه الحرب مع ضرورة بسط العفو العام لكل من يرمي السلاح ودمجه في المجتمع.
الجمعة: 2026/5/8




