أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان والسلطان

0 بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، كتبت يوم الأربعاء 8 أبريل تحت عنوان “السودان وتهدئة إيران” .. أشرت حينها إلى أهمية أن يستفيد السودان من تطورات هذه الحرب التي انتهت بمرحلة التهدئة.. باعتبارها تجربة غنية بالدروس التي يمكن أن تدعم أمننا القومي واستقرارنا الإقليمي.. وأكدت أن المرونة في المواقف الدبلوماسية تمنح الدول مساحة أكبر للمناورة في أوقات الأزمات.. وهو ما يتطلب من السودان امتلاك القدرة على تعديل مواقفه وفق المتغيرات.. دون أن ينظر إليه كطرف متذبذب وانما كدولة تتحرك بواقعية سياسية.
0 انتقدت اعتماد الحكومة على اتصالات هاتفية محدودة أجراها الرئيس البرهان مع بعض الدول التي تعرضت لاعتداءات من جانب ايران.. من دون أن يترجم ذلك إلى دعم عملي ملموس لا سيما تجاه المملكة السعودية وقطر.. وأشرت إلى أن هذا النهج يضعف الحضور الإقليمي للسودان.. ويستدعي تنشيط دوره الدبلوماسي من خلال المشاركة الفاعلة في الاجتماعات الإقليمية وطرح مبادرات سياسية تعكس التزامه بتحالفاته.
0 كما لفت الانتباة إلى التجربة العمانية البارزة خلال هذه الأزمة حيث نجحت سلطنة عمان بقيادة السلطان هيثم بن طارق وبكفاءة وزير الخارجية بدر البوسعيدي.. في تثبيت موقعها كوسيط دولي موثوق في إدارة النزاعات واحتوائها.. ورأيت أن بإمكان السودان الاستفادة من هذه التجربة عبر تطوير علاقاته مع مسقط.. وتبادل الخبرات في مجالات الوساطة وإدارة الأزمات وغيرها بما يدعم طموحه للقيام بدور إقليمي فاعل في هذا المجال.
0 واستشهدت بتاريخ السودان في هذا المجال حيث لعب دورا مهما في احتواء خلافات الأشقاء.. خاصة خلال مؤتمر اللاءات الثلاثة في ستينيات القرن الماضي.. كما ساهم في جمع أطراف النزاع في دولة الجنوب إضافة إلى مبادراته في التقريب بين حملة السلاح في إفريقيا الوسطى.. في هذا الاتجاة زار الرئيس البرهان المملكة العربية السعودية أمس مؤكدا دعمه لها.. كما قام اليوم بأول زيارة له إلى سلطنة عمان منذ توليه السلطة.. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة إذ تعكس توجها نحو تبني سياسة خارجية أكثر توازنا وواقعية قائمة على الانفتاح بما يتماشى مع ما طرحناه سابقاً حول ضرورة إعادة قراءة تحركات السودان الخارجية.
0 كما أن الانفتاح على مسقط يعتبر امتداداً لهذا التوجه.. خاصة في ظل ما تمثله التجربة العمانية من نموذج ناجح في إدارة الأزمات وبناء الجسور بين الأطراف المختلفة.. وتمثل الزيارة فرصة لإعادة رسم علاقة استراتيجية مع دولة عرفت بعقلانيتها السياسية ومرونتها في التعامل مع الملفات المعقدة.. فالسلطنة اكبر من شريك سياسي فهى تمثل بوابة اقتصادية واعدة خاصة في ظل موقعها الجغرافي الحيوي.. وإشرافها على ممرات بحرية مهمة إلى جانب بنيتها التحتية المتطورة في الموانئ والخدمات اللوجستية.
0 اقتصادياً يمكن للسودان أن يستفيد من التجربة العمانية في تنويع مصادر الدخل وتطوير قطاعات مثل الموانئ التعدين الزراعة، والسياحة والطاقة الشمسبة.. كما أن جذب الاستثمارات العمانية إلى السودان خصوصاً في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية.. يمثل فرصة حقيقية إذا ما تم تقديم بيئة استثمارية مستقرة ومحفزة.. وفي المقابل يمكن للسودانيين الاستفادة من السوق العماني كنقطة انطلاق نحو أسواق آسيا.. خاصة مع انفتاح عمان التجاري وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
0 ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في هذه العلاقة حيث فتحت السلطنة قلوبها قبل أبوابها للسودانيين مع اندلاع الحرب.. وقدمت تسهيلات كبيرة لهم شملت الإقامة وإمكانية تأسيس الشركات إضافة إلى تسهيلات كبيرة في التعليم.. وصلت في بعض الحالات إلى إتاحة فرص الدراسة بشكل ميسر.. هذا الكرم العماني عكس وبشكل حقيقي عمق العلاقات وروح التضامن الاخوي في ظرف حرج.. وشكل أساساً متيناً يمكن البناء عليه لتطوير التعاون الشعبي إلى جانب الرسمي.
0 كما أن السودان إذا أحسن استثمار هذه العلاقة يمكن أن يستفيد من الخبرة العمانية في مجال الوساطة الإقليمية.. وهو مجال يحتاجه بشدة في ظل سعيه لاستعادة دوره كفاعل إيجابي في محيطه.. فالتقارب مع مسقط قد يمنح الخرطوم فرصة لتبني دبلوماسية أكثر هدوءاً وفعالية قائمة على بناء الثقة بدل الاصطفاف.. كما فعلت مسقط بين طهران وواشنطن.
0 ان زيارة البرهان الى مسقط من اهم الزيارات وهى خطوة ضمن رؤية أوسع لإعادة مكانة السودان إقليمياً.. يستحق عليها سفير السودان بمسقط عصام متولي التحية.. وهو يؤسس لعلاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.. وهى وحدها القادرة على الصمود وعمان تقدم نموذجاً واضحاً في هذا الاتجاه.
0 ان الزيارة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة السودان على إعادة توجيه سياسته في الإقليم وفق رؤية أكثر نضجاً ومرونة.. فالعالم من حولنا يتغير بوتيرة متسارعة والدول التي تنجح هي تلك التي تقرأ التحولات بذكاء وتتحرك بواقعية.. والتقارب مع السلطنة مطلوب بما تمثله من نموذج متوازن في السياسة الخارجية فيها كثير من الرشد.. الذي يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو بناء دبلوماسية سودانية أكثر فاعلية قائمة على المبادرة.. هي فرصة كذلك لإعادة تعريف دور السودان كجسر تواصل لا ساحة صراع وكفاعل يسهم في التهدئة لا التصعيد.
0 المطلوب اليوم توثيق العلاقات وتحويلها إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والسياسة والأمن الإقليمي،ة.. بما ينعكس إيجاباً على الشعب الذي أنهكته الحرب. فنجاح السياسة الخارجية يقاس بقدرتها على خدمة المواطن وبسط الاستقرار.
0 إن الدروس المستفادة من التجربة العُمانية بقيادة السلطان هيثم تؤكد أن الحكمة والصبر والحياد الإيجابي ليست مواقف ضعف.. هى أدوات قوة حقيقية في عالم ملئ بالصراعات.. وإذا ما أحسن السودان استيعاب هذه الدروس فقد تكون هذه الزيارة بداية مسار جديد يعيد له توازنه ودوره الذي يستحقه في محيطه الإقليمي والدولي.
0 ومهما يكن من امر.. فرص جديدة امام البرهان.. والفرص لا تتكرر.
الثلاثاء 21 ابريل 2026
osaamaaa440@gmail.com



