اسامه عبد الماجد يكتب: مافيا استيراد الوقود !!

0 يشهد ملف الوقود في السودان حالة من الارتباك المقلق بعد البيان الذي أصدرته وزارة الطاقة والنفط بشأن ترتيبات الاستيراد للفترة المقبلة.. في الوقت الذي كان يفترض ان يبدد البيان المخاوف ويطمئن السوق جاء على العكس تماماً.. إذ اثبت ان الوزارة لا تدرك خطورة المرحلة وتعقيداتها.. خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية وحرب إيران.. إضافة إلى توقعات وزير الطاقة في قطر بارتفاع أسعار النفط عالمياً.
0 أعلنت الوزارة بثقة عن قيام (30) شركة من القطاع الخاص بتنظيم نفسها في (5) مجموعات متضامنة لتولي عمليات استيراد الوقود.. مع الإشارة إلى احتمال انضمام شركات أخرى لاحقاً بعد استكمال إجراءات التضامن والتنظيم.. غير أن ما اعتبرته الوزارة إنجازاً يعكس وجود خلل واضح في فهم طبيعة المسؤولية السيادية المرتبطة بقطاع الطاقة.. القاعدة المعروفة في كل دول العالم أن تأمين الإمدادات الاستراتيجية – انظروا الى مصر – خاصة في أوقات الأزمات ليس مهمة شركات تجارية تسعى للربح.. بل مسؤولية مباشرة للدولة.
0 في السودان ينص القانون بوضوح على أن الحكومة ممثلة في وزارة الطاقة والمؤسسة السودانية للنفط هي الجهة المسؤولة عن ضمان توفر الإمدادات البترولية وتأمينها.. لكن شركة النيل الضخمة – إسماً لا فعلاً – “نايمة على الخط” !!.. الأكثر إثارة للقلق أننا في صحيفة الشعب نبهنا منذ العام الماضي إلى ما وصفناه بمخططات تحايل في قطاع استيراد وتوزيع المشتقات البترولية بواسطة رجال أعمال.
0 ونشرنا في 13 مارس 2025 معلومات خطيرة تشير إلى احتمال تعرض الحكومة لما يمكن وصفه بأكبر عملية احتيال في هذا القطاع.. وبحسب ما كشفته الصحيفة آنذاك أعدت مجموعة من رجال الأعمال خطاباً موجهاً للوزارة يوحي بأن شركات القطاع اتفقت فيما بينها على آلية مشتركة لاستيراد المنتجات البترولية.. ووقتها كشفنا ان شركات مدرجة في المجموعات الخمسة لا تعمل أصلاً في مجال الاستيراد.. وأخرى خرجت من السوق وفئة ثالثة لم تمارس نشاط الاستيراد منذ سنوات.. ورابعة ذهب الخطاب للوزارة من وراء ظهرها.
0 الأخطر من ذلك أن تلك الترتيبات مكنت مجموعة محدودة من السيطرة على حركة المواد البترولية في البلاد لفترة قاربت ربع العام – حينها – في صفقة قدرت بعشرات الملايين من الدولارات.. اليوم وبعد مرور عام تقريباً على تلك التحذيرات تعلن الوزارة أن الشركات نظمت نفسها في مجموعات لتولي الاستيراد.. وحاولت الوزارة ايهام الرأي العام ان لديها غرفة ادارة أزمة بينما الحقيقة ان المجموعات الخمسة هى التي حذرنا منها العام الماضي.. في مقدمتها شركات رجل أعمال يتخفون وراء اندية رياضية.
0 وقد تمكنت من تمرير تحالفاتها في خمسة مجموعات عبر الوزارة.. واعتقدنا ان رجال الأعمال خدعوا الوزارة والوزير حينها محي الدين النعيم.. لكن بيان الوزارة امس أكد ان الشركات والوزارة ومحي الدين خدعوا الشعب السوداني وربما خدعوا قيادة البلاد.. واثبت ان هناك تفاهمات مع الوزير السابق أو مع مجموعة نافذة داخل الوزارة وضعوا رقبة الحكومة تحت سيف المجموعات الخمس حتى بعد مغادرة الوزير منصبه.
0 اكتفت الوزارة باعلان المجموعات واعتبرت بذلك أنها أدت دورها تاركة ما تبقى من تفاصيل للسوق.. ولم تتحسب لعجز هذه الشركات عن توفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد.. او لفشلها في تأمين الشحنات في ظل الظروف الاقتصادية والمالية المعقدة.. وبذلك تنصلت الوزارة عن مسؤوليتها.. وهناك ما يشير لوجود شبهات فساد وذلك ان الوزارة لم تتحقق من طبيعة الشركات في الخمسة مجموعات وقدرتها الحقيقية على الاستيراد.. رغم اننا قلنا منذ عام ان بعضها لا يعمل.. ولكن بصراحة الوزارة تعلم كل صغيرة وكبيرة عن تلك الشركات.
0 لو تركنا كل ذلك من أين ستوفر هذه الشركات النقد الأجنبي اللازم لتمويل عمليات الاستيراد؟.. مثل هذه العمليات يفترض أن تمر عبر إجراءات رسمية واضحة من خلال بنك السودان وبمستندات مالية معتمدة توضح مصادر التمويل.. أما أن يترك هذا الملف الحيوي غامضاً في بيان رسمي، فذلك يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان.. وإذا كانت هذه الشركات تعتمد على حصائل الصادر لتوفير النقد الأجنبي فإن المنطق يقتضي أن تذهب هذه الموارد مباشرة إلى الدولة لتتولى المؤسسة السودانية للنفط مهمة الاستيراد، بينما يقتصر دور الشركات على التوزيع فقط. هذا هو النموذج المتبع في معظم دول العالم.
0 مع غض الوزارة الطرف عن هيمنة الشركات يثير كذلك صمت شركة النيل للبترول كثيراً من علامات الاستفهام.. إذ يبدو أقرب إلى التماهي او الاضامن الخفي مع الشركات الخاصة.. فليس من الطبيعي أن يضم سوق البترول في دولة تعاني من أزمات اقتصادية هذا العدد الكبير من الشركات التي تجمع بين الاستيراد والتوزيع والتسويق في وقت واحد.. حتى الدول الصناعية الكبرى مثل الصين وروسيا وألمانيا والهند لا تضم هذا الكم من الشركات العاملة في هذا القطاع الحساس.. فضلاً عن الدول النفطية مثل السعودية والإمارات وليبيا.
0 لم يكن قطاع البترول في السودان بهذا القدر من الانفلات في السابق.. فقد كان النشاط محصوراً في عدد محدود من الشركات العالمية المعروفة (شل، موبيل ،توتال وأجيب).. ان مايحدث يستدعي مراجعة جادة وعاجلة.. وتدخل من الرئيس شخصياً.. وليس كامل ادريس لأن مبعوثه الخاص الحفيان قريب جداً من وزير النفط.
0 إن ملف النفط شريان الاقتصاد السوداني وأحد أهم عناصر الاستقرار وأي تهاون أو غموض في إدارته قد يؤدي لانهيار قطاع الزراعة بسبب خلل الإمدادات والأسعار مما يؤدي لانهيار البلاد.. على الرئيس البرهان ان يوجه بمراجعة شاملة وشفافة والتحقق بدقة من أهلية الشركات المعنية ومصادر تمويلها وآليات رقابتها.. فإن البلاد قد تجد نفسها قريباً أمام أزمة وقود جديدة قد تقود لفوضى.
0 ومهما يكن من امر.. اطلقنا تحذيرات العام الماضي لكن الحكومة مثلها وعصابة أولاد دقلو عدوة للشعب السوداني.
ونواصل
الأحد 8 مارس 2026
osaamaaa440@gmail.com




