رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: لا تستهينوا بـ (حميدتي)

 

0 قرأت نحو سبعة مقالات تناولت ظهور الباغي الشقي حميدتي، من بينها مقال لمصور أصبح – بفضل الذكاء الاصطناعي – كاتباً و(الحقيقة) أن أمثاله كثر هذه الأيام.. القاسم المشترك بين تلك المقالات كان السخرية والاستهزاء بظهوره.. وكأن جهة قليلة الحيلة أوعزت لهم بهذا الخطاب، لا سيما أن أحدهم عرف بأنه “كاتب تحت الطلب”.. غير أن هذه السخرية، من حيث لا يدرون تصب في مصلحته وتدعم موقفه.
0 كان الأجدر أن ينظر إلى ظهوره هذه المرة بصورة مختلفة تماماً.. فقد جاء بعد نحو سبعة أشهر من آخر إطلالة له في دارفور وسط عناصر عصابته الإجرامية.. كما أن هذه الجولة تعد الثانية له أفريقياً، بعد أن زار خمس دول من بينها أوغندا.. الأمر الثالث الجديد أيضاً أنه لم يصل هذه المرة بصفته قائداً لمليشيا متمردة.. بل كرئيس لتحالف “تأسيس” بحضور شخصيات معروفة، بدءاً من نائبه عبد العزيز الحلو والى زوج تسابيح.
0 رابعاً فان ظهوره الأخير حسم كذلك الجدل حول مسألة وفاته.. ووضع حداً للشائعات التي راجت بشأن إصابته أو اختلاف ملامحه وسخف اليد اليمين اطول من الشمال.. شخصياً لم أكتب يوماً أنه توفي، بل ظللت اكتب مراراً إنه (مات في وجدان الشعب السوداني) وهو توصيف معنوي مهم، أكدت عليه كذلك في أكثر من قناة فضائية.. بعكس كذب الجنجويدية ام سلمة الصادق المهدي عندما فرحت بظهور سيدها العام الماضي.. وزعمت انني وعدد من الزملاء كنا نروج انه توفى.
0 التأكيد على وفاته في وجدان السودانيين أمر بالغ الأهمية.. لأنه يقطع الطريق أمام أي جهة أو شخصية نافذة في الداخل قد تحاول إعادة تسويقه.. إذ إن مثل هذا المسعى سيصطدم حتماً بإرادة الشعب السوداني. وفي هذا الاتجاة أعجبني رد السفيرة سناء حمد عندما سئلت على قناة قناة الجزيرة عما إذا كانوا سيتعاملون مع “صمود”.. فجاءت إجابتها ذكية كعادتها، إذ ربطت الأمر أولاً بمدى قبول الشعب السوداني لها.
0 التعامل مع ظهور الجنجويدي ينبغي أن يكون بجدية وحزم، لا بالاستخفاف.. فعدم حسم مسألة حياته أو مماته سابقاً يعكس قصوراً في جهة نظامية كان يفترض بها، عبر علاقاتها الإقليمية.. أن توضح الصورة للرأي العام بدلاً من تركه فريسة للشائعات.. ان اختيار أوغندا تحديداً لم يكن عفوياً، ولم يكن بديلاً عن كينيا مثلاً التي يعتمر رئيسها “الكدمول”.. بل جاء بشكل مدروس إذ استقبل حميدتي مدير المخابرات الأوغندية.
0 وتم الاعلان أن الزيارة جاءت بدعوة رسمية.. كما ان موسيفيني معين بواسطة الاتحاد الأفريقي رئيساً للجنة رفيعة المستوى تهدف الى تسهيل اجتماع الرئيس البرهان مع المجرم حميدتي والذي كان مقررا في جيبوتي وغاب عنه الأخير.. اعتادحميدتي الكذب لكن استوقفني انه كشف أن زيارته تأتي للاستماع إلى جهود موسيفيني للسلام بعدما طلب منه مالك عقار الوساطة بين الحكومة السودانية والمليشيا.
0 واذا عدنا الى خبر مجلس السيادة حول زيارة عقار الى اوغندا في 13 من الشهر الجاري.. جاء فيه ان عقار دعا موسيفيني لتوظيف علاقاته الإقليمية للتواصل مع الجهات الداعمة  للمليشيا المتمردة لحثها على وقف هذا الدعم.. ووقتها استغربت لهذة الصيغة كون موسيفيني لا تربطه علاقة قوية تصل درجة التوسط لدى الامارات.
0 ينبغي ألا ننشغل بمظهر الجنجويدي حتى وإن ارتدى زياً هندياً.. فذلك قد يكون جزءاً من سياسة إلهاء مقصودة تقف وراءه شركات.. تتلقى تمويلاً وتدير مختلف التفاصيل بما في ذلك حضوره ومظهره.. إن إطلالاته ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحركات الدولية الجارية وبالجهود الرامية إلى تمرير مشروع عبر مجلس الأمن الدولي يتعلق بهدنة إنسانية.. وهنا يكثر الحديث عن “الرباعية” التي تضم الإمارات، بينما تتناول الحكومة السودانية هذا الملف بحذر واضح يدعو للريبة.
0 كان خطابه مرتجلاً لكن تناول عدداً من القضايا المهمة.. مع تركيز مباشر ومتكرر على الرئيس البرهان، كما درج في أحاديثه السابقة.. وهذه النقطة تستحق التوقف والتأمل، لا سيما أنه أشار أيضًا إلى مدير جهاز المخابرات أحمد مفضل في أكثر من موضع. وربما تكمن الإجابة عن أسباب هذا التركيز لدى مفضل نفسه، ما يستدعي قراءة أعمق لدلالات الخطاب وتوقيته.
0 حسناً.. ينبغي على الرئيس البرهان أن يركز بصورة أكبر على إدارة العمليات العسكرية.. وأن يوجه جهود نائبه كباشي ومساعديه العطا وجابر نحو هذا الملف باعتباره أولوية المرحلة.. وعدم الالتفات للهتيفة وكتابات اشبه بغناء (القونات).. كما يجدر استذكار تصريح وزير المالية جبريل إبراهيم بأن حالة من التراخي أصابت الأداء بعد تحرير الخرطوم.. وفي الوقت نفسه من الضروري العمل على تقوية الجبهة الداخلية بشكل كبير.. مع لفت انتباه رئيس الوزراء وشلة مستشاريه إلى عدم قيامهم بدورهم الكامل، وان تقصيرهم ينعكس على المسار العسكري ويؤثر في مجمل المشهد.
0 كما يجب ان يتم ترتيب برامج وزيارات الرئيس البرهان داخليا وخارجيا بعناية وكذلك تعد خطاباته حتى – المرتجلة – بواسطة فريق عمل لايصال رسائل سياسية بعينها.. لايمكن ان تختزل زيارة صرفت فيها اموال من طائرة وسيارات وحرس رئاسي وفريق تامين ووفود مقدمة ومرافقين وغيرهم في كوب عصير !! .
0 ينبغي العمل بجد لاختراق عصابة “تأسيس” وتفكيكها، مع الاستمرار في كشف ممارسات المليشيا وفضحها في المحافل الدولية والإقليمية.. كما يتوجب مراجعة وتقييم الأداء الدبلوماسي بما يتلاءم مع واقع الحرب، إذ يبدو أن بعض السفراء يتصرفون وكأن البلاد لا تعيش حرباً مدمرة.. وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بردود الفعل الدفاعية في المنصات الدولية – كما في حالة مندوب السودان لدى الأمم المتحدة – لا يرقى إلى مستوى التحدي، فالمعركة سياسية بقدر ما هي عسكرية.. كذلك يجب التوقف عن الترويج لأخبار سطحية ومضللة بشأن تأثير غياب حميدتي على المليشيا، لأن استمرارها في الحرب مرتبط بدوافع الغنائم والمصالح ولذلك يجب قتالها.
0 ومهما يكن من امر.. هل يقرأ البرهان التاريخ جيداً؟ وهل سمع بأن السودانيين جاءوا بغردون مستف ورأسه في مخلاية ؟

الثلاثاء 24 فبراير 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!