حقائق مدهشة.. ماهو دور السفارات السودانية في المعركة الوجودية؟ (تحقيق)

اعلي يمين: قريب الله- أميرة – أسامه – حسن
اسفل يمين: بشرى – حيدوب – عبادي – صديق

وزير الخارجية محي الدين سالم
خاص: الشعب
رصدت “الشعب” عدم تفاعل عدد من البعثات الدبلوماسية السودانية بالخارج وإخفاقها في مواكبة خطورة وتعقيدات المرحلة التي يمر بها السودان، وعجزها عن عكس الصورة الحقيقية لما يتعرض له من عدوان ممنهج تشنه مليشيا الدعم السريع ضد الدولة ومؤسساتها.
ويأتي هذا القصور في وقت تمثل فيه الساحة الخارجية أحد أخطر ميادين الصراع السياسي والإعلامي، حيث تتطلب المرحلة جهداً دبلوماسياً وإعلامياً استثنائياً لتفنيد الروايات المضللة، وحشد الدعم الإقليمي والدولي، وتشكيل رأي عام مناصر للقضية السودانية.
غير أن ضعف التحرك لدى عدد من السفارات أسهم في خلق فجوة واضحة في إيصال الحقائق، وترك المجال مفتوحاً أمام أطراف داعمة للمليشيا لتسويق اكاذيب تخدم أجنداتها وتشوه واقع ما يجري على الأرض.
وبحسب متابعات “الشعب” ، فإن عدداً من السفارات السودانية أخفقت في أداء الدور المنوط بها في نقل حقيقة الأوضاع داخل السودان إلى الرأي العام في الدول المعتمدة لديها، حيث لوحظ غياب شبه تام للمبادرات الإعلامية والدبلوماسية الفاعلة. فلم يعقد عدد من السفراء مؤتمرات صحفية لشرح تطورات الأزمة وأبعادها، فيما اكتفى آخرون بمؤتمر واحد دون استمرارية أو متابعة، كما لم يبادر كثيرون بإجراء حوارات مع وسائل الإعلام المحلية أو الدولية لتفنيد الروايات المضللة أو لتسليط الضوء على الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، لا سيما بعد اجتياح مدينة الفاشر.
كما رصدت الصحيفة ضعفاً واضحاً في مستوى التواصل الرسمي مع مسؤولي الحكومات والبرلمانات في الدول المعنية، إلى جانب غياب أو محدودية الانفتاح على مراكز البحوث والدراسات والجامعات ومنصات التأثير الفكري، رغم أن هذه الجهات تعتبر من أهم أدوات تشكيل الرأي العام وصناعة القرار السياسي الخارجي.
ومن بين السفراء عبادي نور الدين (زامبيا)، عثمان حسين (الكونغو)، حمدي حسب الرسول (النرويج)، محمد عبد الله عبد الحميد (تنزانيا)، ياسر محمد علي (إندونيسيا)، محمد سعيد حسن (جيبوتي) ، محمد عبد الله إدريس (واشنطن)، بشرى إدريس (إفريقيا الوسطى)، صديق محمد عبد الله (المجر)، إلى جانب زوجته السفيرة إلهام إبراهيم شانتير (ألمانيا)، التي لم تعقد مؤتمراً صحفياً لإدانة المليشيا، واكتفت بمقابلة صحفية واحدة، ولقاء مع برلمانية في وقت استغل فيه نائبها السفير إدريس محمد علي فترة غيابها خارج ألمانيا، وقام بتنوير السفراء الأفارقة بالحرب، إضافة إلى تنظيم محاضرة في إحدى الجامعات الألمانية.
كما تم رصد ضعف طرح القضية السودانية في محطات دبلوماسية مهمة، من بينها فرنسا، كينيا، العراق، الكويت، لبنان، إضافة إلى سفارة السودان بالجزائر عقب إنهاء مهمة السفيرة نادية محمد خير عثمان في ظروف غامضة. وامتد هذا الضعف إلى ليبيا والجنوب ، رغم الخلفية العسكرية لسفير السودان في جوبا عصام كرار، في حين برز نشاط ملحوظ لنائبه من خلال كتابة مقالات صحفية.
ولاحظت “الشعب” كذلك تقاعساً في عدد من البعثات التي يديرها قائمون بالأعمال، من بينها الصين، (السفيرة ميمونة احمد خالد) ، واليونان حيث يتولى الوزير المفوض أمجد المهام، إضافة إلى رومانيا ومحطات دبلوماسية أخرى.
وأسهم هذا القصور الدبلوماسي والإعلامي في إضعاف الحضور السوداني على الساحة الدولية، وخلق فراغ إعلامي استغلته أطراف داعمة للمليشيا للترويج لروايات مضللة تخدم مصالحها وأجنداتها السياسية.
وكشفت مصادر موثوقة للصحيفة عن وجود ضعف في المتابعة والتوجيه من رئاسة الوزارة والجهات المركزية ذات الصلة، الأمر الذي انعكس سلباً على أداء عدد من البعثات الدبلوماسية، في ظل غياب خطط إعلامية ودبلوماسية واضحة ومتكاملة تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة المفصلية.
في مقابل هذا القصور برزت نماذج دبلوماسية سودانية مشرفة استطاعت، رغم الظروف وتعقيد المشهد، أن تؤدي دوراً مهنياً وفاعلاً في معركة الرواية الدولية، وأن تحجز للسودان حضوراً مؤثراً في عواصم ومحافل إقليمية ودولية مهمة.
ورصدت “الشعب” أداء متميزاً لعدد من السفراء الذين اضطلعوا بدور نشط وفاعل في توضيح الصورة وفضح جرائم المليشيا، من خلال عقد مؤتمرات صحفية منتظمة، وإجراء لقاءات مع مسؤولين حكوميين وبرلمانيين، والتواصل مع رموز المجتمع المدني، والأئمة والدعاة، إلى جانب تنظيم وقفات وتظاهرات احتجاجية بالتنسيق مع الجاليات السودانية.
وتصدر سفير السودان لدى غانا قريب الله خضر، قائمة السفراء الأكثر نشاطاً وتأثيراً، حيث قاد تحركاً دبلوماسياً وإعلامياً واسع النطاق شمل عقد مؤتمرات صحفية دورية، وتنظيم لقاءات مباشرة مع مسؤولين في الحكومة الغانية وأعضاء البرلمان، إضافة إلى انفتاح لافت على وسائل الإعلام المحلية ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني. كما لعب دوراً محورياً في تنسيق تحركات الجالية السودانية، وتنظيم وقفات احتجاجية سلمية سلطت الضوء على جرائم مليشيا الدعم السريع، وأسهمت في تصحيح الصورة لدى الرأي العام الغاني والإفريقي.
وفي السنغال قدم السفير عبد الغني النعيم نموذجاً لدبلوماسية نشطة ومتوازنة، حيث واظب على التواصل مع النخب السياسية والدينية والإعلامية، واستثمر مكانة السنغال الروحية والثقافية في إفريقيا لإيصال صوت الضحايا السودانيين، مع التركيز على البعد الإنساني والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون.
أما في اليابان فقد تميز أداء السفير الريح حيدوب بنهج مؤسسي منظم، شمل التواصل مع مسؤولين وشركات مرموقة نقل لها حجم الدمار الذي احدثته المليشيا في السودان استطاع انتزاع تعهدات في المساهمة في إعادة الاعمار بما يتناسب مع طبيعة المجتمع الياباني القائم على العمل وبذل الجهد
وبرز السفير عماد الدين ميرغني في إيطاليا من خلال نشاط إعلامي مكثف، شمل لقاءات مع أعضاء في البرلمان ومؤسسات موثرة ومنظمات إنسانية، ومراكز بحوث ما أسهم في رفع مستوى الوعي بالقضية السودانية داخل الأوساط الأوروبية.
كما سجل السفير حسن عبدالسلام في ماليزيا حضوراً فاعلاً عبر التواصل مع النخب الأكاديمية والإعلامية، وتنظيم فعاليات تعريفية بالقضية السودانية، فيما لعب السفير حسن حامد في جنيف دوراً مهماً في مخاطبة المنظمات الدولية، مستفيداً من موقعه في واحدة من أهم عواصم العمل الأممي وحقوق الإنسان ومن خبرته الكبيرة في العمل لسنوات طويلة في واشنطن.
وبرز سفير السودان لدى إريتريا أسامه عبد الباري، كنموذج للدبلوماسية الهادئة والمبادرة، رغم حداثة اعتماده في أسمرا، حيث باشر مهامه بتحرك مبكر اتسم بالوضوح والانضباط، واضعاً ملف الأزمة السودانية في صدارة أولوياته. واستفاد أسامه من خصوصية العلاقة التاريخية والاستراتيجية بين السودان وإريتريا، توجت بزيارة الرئيس أفورقي للسودان ليعزز قنوات التواصل مع المسؤولين الإريتريين، وينقل إليهم صورة دقيقة ومباشرة عن تطورات الأوضاع والانتهاكات
كما عمل عبد الباري على تنشيط الحضور الإعلامي والسياسي للبعثة، من خلال لقاءات تنويرية واتصالات مستمرة ، إلى جانب تنظيم جهود الجالية السودانية، في إطار دعم الموقف الوطني. مما ساهم في تثبيت القضية السودانية داخل واحدة من المحطات الإقليمية المهمة
اما السفير د. احمد التجاني سوار عمل بجد على تعريف المجتمع البرازيلي بقضية السودان، وإلقاء الضوء على التحديات التنموية والسياسية التي تواجه البلاد، بسبب تمرد مليشيا الدعم الشريع مع التأكيد على أهمية دعم الاستقرار والتنمية المستدامة.
كما سعى سوار إلى استثمار مكانة البرازيل الاقتصادية وفتح آفاق التعاون في مجالات الاستثمار، التجارةبما يسهم في تعزيز الشراكات التنموية بين البلدين لمرحلة اعادة اعمار مادمرته الحرب.
ويحسب لسفير السودان لدى تركيا نادر يوسف الطيب حضوره الفاعل خلال معركة الكرامة، حيث اضطلع بمهمة محورية في نقل حقيقة الأوضاع في السودان إلى الدوائر الرسمية والإعلامية التركية، والدفاع عن شرعية الدولة ومؤسساتها. وقد أسهم بوضوح في فضح ممارسات المليشيا وكشف انتهاكاتها للرأي العام.
كما عمل ااسفير نادر على تعزيز قنوات التواصل مع المؤسسات التركية، وعلى رأسها هيئة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، بما أسهم في دعم الجهود الإنسانية والتنموية الموجهة للشعب السوداني. وكذلك متابعته الدقيقة لانسياب الدعم التركي، خاصة ما يتعلق بوصول السفن المحملة بالمساعدات، حيث بذل جهوداً مقدرة في التنسيق مع الجهات المعنية وتذليل العقبات.
وقام سفير السودان لدى بيلاروسيا عمر الأمين، بنشاط دبلوماسي لافت رغم قصر فترة وجوده في مينسك، حيث بادر بعد اعتماد أوراقه منتصف سبتمبر 2025 بلقاء رئيسة البرلمان البيلاروسي، ونقل لها حقيقة الأوضاع في السودان بكل وضوح ومسؤولية. كما أسهم في استكمال ترتيبات انعقاد لجنة التشاور السياسي، بما يعكس حرصه على تفعيل العلاقات الثنائية وتواصل مع الخارجية البيلاروسية بشكل كبير وجعل قضية السودان حاضرة.
وتميز أداء السفير أحمد جردة في أوغندا، والسفير الزين إبراهيم في إثيوبيا، حيث عملا على تحريك القنوات الرسمية والإقليمية، والتواصل مع الاتحاد الإفريقي والمؤسسات ذات الصلة، في وقت اضطلعت فيه السفيرة أميرة عقارب في كوريا الجنوبية بدور نشط في مخاطبة الرأي العام الآسيوي، رغم بعده الجغرافي والسياسي عن المشهد السوداني واقامت مؤتمراً صحفياً محضوراً كما استطاعت جلب دعم بملايين الدولارات من منظمات كورية.
كما قدم السفير د. بخيت إسماعيل في كندا نموذجاً لافتاً في استخدام أدوات الإعلام الحديث والتواصل مع الجاليات ومراكز التأثير السياسي، فيما برز السفير مجدي مفضل في النمسا من خلال نشاط دبلوماسي منظم داخل المؤسسات الأوروبية.
تؤكد هذه النماذج أن الخلل في الأداء الدبلوماسي ليس عاماً بالضرورة، وإنما يرتبط بحسن القراءة السياسية والمبادرة والالتزام والرؤية لدى القائمين على إدارة البعثات. كما أن توفر الإرادة والخطة الواضحة يمكن أن يحقق اختراقا حقيقيا في معركة الكرامة، حتى في أصعب الظروف.
ونواصل




