تقارير

حقائق مدهشة.. ماهو دور السفارات السودانية في المعركة الوجودية (3)

من اليمين اعلى: عبد العزيز/ معاويه/ شذى     من اليمين أسفل: رشاد/محمد/ علما رومانيا و ساحل العاج

خاص: الشعب

تواصل “الشعب” انطلاقاً من التزامها بتنوير الرأي العام في ظل الحرب المفروضة على البلاد، نشر سلسلتها الخاصة التي تسلط الضوء على دور السفارات السودانية في الخارج إزاء هذه الحرب، ومدى جهودها في شرح أبعاد المعركة ونقل حقيقة ما يجري إلى الرأي العام الدولي، إلى جانب حشد الدعم السياسي والقانوني والإعلامي لصالح الدولة السودانية.
كما تتناول السلسلة حجم إسهام البعثات الدبلوماسية في مواجهة حملات التضليل، والدفاع عن شرعية المؤسسات الوطنية، والانحياز لإرادة الشعب السوداني. وفي هذة الحلقة الثالثة نتناول..
………

0 تبدو سفارة السودان في تنزانيا بقيادة السفير محمد عبد الله عبد الحميد وكأنها خارج سياق حرب الوجود التي يخوضها السودان، أو كأنها لم تسمع بما يجري من جرائم ترتكبها مليشيا الجنجويد بحق الدولة والشعب السوداني.
وبات غياب التفاعل والانفعال مع معركة الكرامة سمة واضحة لأداء البعثة، رغم الأهمية الاستراتيجية البالغة لتنزانيا وموقعها المحوري في شرق أفريقيا. وتشير تقارير إعلامية متداولة إلى أن ميناء دار السلام يستخدم كمعبر لوجستي تمر عبره إمدادات تصل إلى المليشيا في السودان، عبر عدة دول، لاسيما وان دولة الإمارات تستأجر الميناء لمدة ثلاثين عاماً. ورغم خطورة هذه المعطيات لم تبادر السفارة بعقد مؤتمر صحفي واحد أو تنظيم لقاء تنويري نوعي لفضح المليشيا وشرح حقيقة ما يجري في السودان للرأي العام التنزاني والدولي.
ولا حراك دبلوماسي فاعل يذكر للسفير محمد عبد الله رغم أنه أكمل في ديسمبر الماضي عاماً كاملاً منذ تسلمه مهامه سفيراً بالإنابة، وتم اعتماده رسمياً سفيراً منذ نحو ثلاثة أشهر، ومع ذلك لم تسجل له لقاءات رفيعة المستوى ولا تحركات مؤثرة تعكس حجم الكارثة التي يمر بها السودان ولا لقاء مع الجالية او الطلاب.
هذا الجمود قد لا يكون مفاجئاً في ظل الإهمال المريع الذي تعانيه السفارة من قبل وزارة الخارجية نفسها، إهمال يثير الريبة فمن غير المعقول أن تدار السفارة في دولة محورية مثل تنزانيا عملياً بواسطة دبلوماسي واحد فقط منذ عام 2021، بدأ كسكرتير أول ثم تمت ترقيته إلى مستشار، دون كادر متكامل، وبمعاونة زوجته فقط التي تعمل إدارية بالسفارة وقد انتهت مهمتهما.
الأكثر غرابة أن السفير عبد الحميد لم يفكر في تقديم محاضرة أو ندوة بجامعة دار السلام وهي واحدة من أعرق الجامعات في أفريقيا، ومنبر استثمره قائد الحركة الشعبية الجنوبية الراحل جون قرنق لسنوات طويلة للتأثير السياسي والفكري، وكان حريصاً على مخاطبة الإقليم والعالم من خلالها.
كما لم يسع السفير إلى الاستفادة من المكانة المعروفة لتنزانيا باحتضانها مركز دولي للسلام، ولا من وجود نحو أكثر من سبعين بعثة دبلوماسية ومنظمات إقليمية ودولية كان يمكن أن تشكل منصة فعالة لشرح قضية السودان.
إن الوضع الدبلوماسي في تنزانيا يبدو في حاجة إلى تدخل عاجل من مجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء. فحتى بعثات السجل المدني المتنقلة، التي تمثل أحد أوجه حضور الدولة وتعزيز شرعيتها، لم تطأ تنزانيا مطلقاً، رغم أنها جابت دولاً مجاورة مثل رواندا وأوغندا وكينيا أكثر من مرة، متجاهلة شكاوى ومشاكل السودانيين المقيمين في تنزانيا ولم تتحرك السفارة الا مؤخراً بعد ضغوط من الجالية.
إن هذا الأداء الباهت بل الغائب لا يمكن فصله عن معركة الكرامة التي يخوضها السودان في مواجهة المليشيا.

0 تثير الأوضاع في سفارة السودان لدى رومانيا كثيراً من علامات الاستغراب إذ تعاني السفارة هى الأخرى من إهمال واضح من قبل رئاسة وزارة الخارجية، حيث ظلت بلا سفير لما يقارب ست سنوات، ويرجح أنه منذ عام 2019 لم يتم تعيين سفير لها عقب انتهاء فترة آخر سفير (عبد الحفيظ العوض). وتدار حالياً بواسطة دبلوماسي شاب بدرجة سكرتير ثاني، وهو وضع لا يتناسب مع أهمية الدولة المضيفة ولا مع حجم التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة الحرجة.
وقد انعكس هذا الفراغ القيادي سلباً على أداء السفارة ودورها السياسي والإعلامي إذ لم يكن تفاعلها مع معركة الكرامة بالمستوى المطلوب، ما أدى إلى إضعاف الحضور السوداني والتأثير في المحافل الإقليمية والدولية ذات الصلة. وقد فرط السودان في منبر دبلوماسي مهم في منطقة البلقان، لا سيما وأن رومانيا تعتبر دولة محورية في شرق أوروبا وعضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بما يتيح فرص كبيرة للدفاع عن المواقف السودانية وبناء شبكات دعم سياسية وإعلامية كان من الممكن استثمارها بصورة أفضل.

0 ساد قدر من الإهمال علاقة السودان بساحل العاج، خلال فترة ليست بالقصيرة
حيث ظلت السفارة السودانية في أبيدجان بلا سفير وتدار فقط بواسطة سكرتير أول ما انعكس سلباً على مستوى الحضور الدبلوماسي والتفاعل السياسي مع واحدة من الدول المؤثرة في غرب أفريقيا. وكان آخر سفير معتمد، عبد الوهاب الصاوي ومنذ مغادرته ظل المنصب شاغراً لفترة طويلة.
تزامن هذا الغياب الدبلوماسي مع تطورات حرب الكرامة، إذ لم يشهد الموقف السوداني تجاه ساحل العاج أي انخراط فاعل أو تحرك دبلوماسي ملحوظ، رغم الأهمية الاستراتيجية لهذه الدولة، سواء من حيث ثقلها السياسي في الإقليم أو موقعها الجغرافي، حيث تحيط بها دول ثبت أن بعض المرتزقة الذين قدموا منها شاركوا في القتال إلى جانب المليشيا.
غير أن وزارة الخارجية انتبهت قبل نحو شهرين فقط لأهمية إعادة تفعيل العلاقة مع ساحل العاج، وأقدمت على خطوة أولى في هذا الاتجاه بتسمية السفير مختار قائماً بالأعمال بالإنابة. وهو مؤشراً على إدراك متأخر لأهمية تقوية الحضور الدبلوماسي السوداني في غرب أفريقيا، وضرورة بناء علاقات أكثر فاعلية مع دول الإقليم.

وبالمقابل هناك نماذج مشرقة وسفارات تؤدي عملاً كبيراً وملموساً

0 قام سفير السودان لدى إيران عبد العزيز حسن صالح بدور محوري في معركة الكرامة من خلال قيادة حملة دبلوماسية وإعلامية واسعة في طهران وخارجها، هدفت إلى كشف حقيقة العدوان الذي تشنه مليشيا الدعم السريع وفضح جرائمها إلى جانب حشد الدعم السياسي والإعلامي لمواقف السودان
نفذ السفير حملة إعلامية مكثفة شملت كبرى وسائل الإعلام الإيرانية، قدم خلالها توضيحاً شاملاً لتطورات الأوضاع في السودان، مع تركيز خاص على المجازر المروعة التي ارتكبتها المليشيا.
كما زار وكالة أنباء مهر حيث عقد اجتماعاً موسعاً مع مديرها العام ورؤساء الأقسام، قدم خلاله شرحاً تفصيلياً لحرب العدوان على السودان واجرى معه حواراً موسعاً نشر بخمس لغات (الفارسية، العربية، الإنجليزية، التركية، والأوردو). كما أجرت صحيفة طهران تايمز الناطقة بالإنجليزية، والصادرة عن وكالة مهر، مقابلة خاصة مع السفير، بجانب حوارات مع وكالات تسنيم وإسنا، نشرت بعدة لغات، إضافة إلى كتابته مقالاً نشر بالعربية والفارسية والإنجليزية في عدد من المنصات الإعلامية. وشارك في حوارات تلفزيونية موسعة على القنوات الإخبارية الإيرانية، من بينها قناتي العالم و الإخبارية الرسمية، حيث عرض جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية في دارفور، الجزيرة، سنار، سنجة والخرطوم.
كما استضاف التلفزيون الإيراني نائب رئيس البعثة السودانية السفير خالد الشيخ، في برنامج حول العالم باللغة الفارسية،
ولعب السفير عبد العزيز دوراً رئيسياً في ترتيب ورعاية زيارات عدد من كبار المسؤولين إلى إيران من بينهم وزراء المالية، الخارجية، الصناعة، حيث عقدوا لقاءات مع الرئيس الإيراني، وزراء نظراء رئيس البرلمان، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وتم خلال هذه الزيارات توضيح حقيقة العدوان على السودان وإجراء لقاءات إعلامية مشتركة، أسفرت عن مواقف إيرانية رسمية داعمة للسودان.
كما أسهم في فتح قنوات تواصل مع غرف التجارة والصناعة والزراعة في طهران وأصفهان وأراك، ومع عدد من المحافظين، داعياً الشركات الإيرانية للمشاركة في مرحلة إعادة الإعمار. ورعى لقاءات دورية مع الجاليات والطلاب السودانيين في قم، طهران، وقزوين، وساند تنظيم وقفات تضامنية وفعاليات ثقافية ومعارض طلابية ومحاضرات تعريفية بالحرب وجرائم المليشيا، قُدمت باللغة الفارسية في الجامعات ومراكز الدراسات.

0 رغم وجود بعثات دبلوماسية تدار دون سفير إلا أنها تضطلع بأدوار كبيرة وفاعلة، ومن أبرزها نشاط القائم بالأعمال بسفارة السودان لدى مملكة إسبانيا الوزيرة المفوضة شذى عبد العزيز التي أدت دوراً وطنياً ودبلوماسياً مؤثراً في ظل ظروف الحرب. فقد عملت على تمثيل الدولة والدفاع عن قضاياها العادلة في المحافل الرسمية والإعلامية الإسبانية بكل كفاءة واقتدار.
ومن أبرز إنجازاتها قيادتها جهوداً دبلوماسية قوية ساهمت في إنجاح مشاركة الرئيس البرهان في فعاليات المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، الذي انعقد بمدينة إشبيلية الإسبانية في يوليو 2025، بدعوة مشتركة من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الوزراء الإسباني. وتعتبر هذه المشاركة  الأرفع للرئيس البرهان في محفل دولي بأوروبا قبل اندلاع الحرب وبعدها، حيث شكلت محطة دبلوماسية مهمة لإعادة طرح قضية السودان على المنابر الدولية الكبرى.
وقادت القائم بالأعمال شذى تحركات دبلوماسية وإعلامية مكثفة أسفرت عن ترتيب لقاء للرئيس البرهان مع إحدى الصحف الإسبانية البارزة حظي بانتشار واسع وتفاعل لافت في الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية والأوروبية ما أسهم في نقل صورة مباشرة عن تطورات الأوضاع في السودان الى جانب تنظيم لقاءات ثنائية للرئيس.
كما أوصل البرهان من على منبر المؤتمر صوت السودان مسلطاً الضوء على تداعيات الحرب واحتياجات البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، وهو ملف تقوم فيه السيدة شذى بجهد كبير.
واكتسبت مشاركة البرهان أهمية إضافية لكونها جاءت بعد فترة قصيرة من تعيينه كامل إدريس رئيساً للوزراء، واشار البرهان الى الخطوة في خطابه.
كما نظمت السيدة شذى مؤتمراً صحفياً عقب اجتياح الفاشر هدفت من خلاله إلى نقل حقيقة الأوضاع على الأرض إلى الرأي العام الإسباني وصناع القرار، كما أُجري معها حوار عبر أثير الإذاعة الإسبانية الرسمية. وشملت نشاطاتها كذلك التواصل المستمر مع وزارة الخارجية والجهات الرسمية الإسبانية لشرح مستجدات الأوضاع في السودان، والمشاركة في اللقاءات والفعاليات الدبلوماسية والإعلامية لعكس حقيقة الاوضاع إلى جانب التنسيق مع الجالية السودانية في إسبانيا لدعم الخطاب الوطني.
يذكر أن السيدة شذى أكملت عامها الأول في البعثة الدبلوماسية، وتدير السفارة بمفردها ويعمل معها اداري واحد وتسلمت مهامها كقائم بالأعمال عقب تقديرات وزارة الخارجية التي أعادت بموجبها السفيرة مها أيوب من المحطة.
وعلى الصعيد الخدمي أشرفت الوزيرة المفوضة شذى عبد العزيز على تنظيم وتنفيذ بعثة السجل المدني التي وصلت إلى إسبانيا لأول مرة منذ افتتاح السفارة السودانية في مدريد، منذ سنوات في خطوة مهمة أسهمت في تخفيف معاناة الجالية السودانية المقيمة هناك.

0 وكذلك في المعركة الوجودية ينهض دبلوماسيون وطنيون بمسؤوليتهم في المعركة حيث لا تقل الكلمة الصادقة أثراً عن السلاح ويبرز الدور الوطني اللافت لكل من السفيرين د. معاوية التوم ورشاد فراج الطيب.
قدم معاوية نموذجاً متقدماً للدبلوماسي الوطني الذي لا ينتظر موقعاً رسمياً ليؤدي واجبه، فهو لا يعمل حالياً في أي محطة دبلوماسية خارجية، إلا أن حضوره الفكري والإعلامي كان مؤثراً وفاعلاً، من خلال كتابات قوية وهادفة، دعمت القوات المسلحة والحكومة بقوة، وواجهت اكاذيب المليشيا وداعميها بالحجة والمنطق.
وفي فترات سابقة ظهر د. معاوية في عدد من المحطات الإخبارية، مقدماً خطاباً متزناً
وفهماً عميقاً لتعقيدات الحرب وأبعادها الإقليمية والدولية. وظف دراساته في العلاقات للدولية والدبلوماسية وهو عميد كلية العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية الجامعة الوطنية وكما ان اطروحته للدكتورة حول مستقبل السلام في السودان وتحدياته الداخلية و الاقليمية ويتكي علي خبرة في العمل الدبلوماسي حيث عمل بعدد من المحطات ابرزها نائباً لمندوب ااسودان لدى الامم المتحدة.
وإلى جانبه يبرز أيضاً السفير رشاد فراج الذي لم يكن أقل حضوراً وهو الآخر لا يشغل أي موقع في محطة خارجية. وأسهم عبر مقالاته الرصينة في دعم القوات المسلحة، وشرح طبيعة المعركة الوجودية. إن ما يقوم به السفيرين د. معاوية ورشاد من جهد فردي صادق له أثره وتأثيره. فقد جسدا معنى الانتماء الحقيقي وأثبتا أن الدبلوماسية ليست منصباً بقدر ما هي موقف وأن الدفاع عن السودان لا يرتبط بتكليف رسمي.

ونواصل سلسلة الحلقات

الحلقة الأولى

حقائق مدهشة.. ماهو دور السفارات السودانية في المعركة الوجودية؟ (تحقيق)

الحلقة الثانية

حقائق مدهشة.. ماهو دور السفارات السودانية في المعركة الوجودية (2)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!