تقارير

حقائق مدهشة.. ماهو دور السفارات السودانية في المعركة الوجودية (2)

اعلي من اليمين: خالد. أبوبكر. عبد الله             أسفل من اليمين: شكري. دفع الله. عبد الرحيم

وزير الخارجية محي الدين سالم

خاص: الشعب

(1)
أثار التحقيق الذي أجرته “الشعب” حول دور السفارات السودانية بالخارج تجاه الحرب جدلاً واسعاً وانقساماً في الآراء بين المتابعين إلا أن الغالبية العظمى أبدت تأييدها لما ورد مشيدة بفكرته وتوقيته، ومعتبرة أنه عكس الواقع كما هو دون تجميل أو تهويل.
وفي المقابل فهمت قلة قليلة التحقيق على نحو خاطئ، واعتقدت أن ما ورد فيه يمثل تقييماً لأداء السفير أو القائم بالأعمال في إدارته للبعثة بل وصل الأمر إلى – إساءة أحدهم لنا – وسنعود إلى ذلك لاحقاً وبالتفصيل.
ونؤكد أن هدفنا من هذا التحقيق هو الإسهام في حث وزارة الخارجية على مضاعفة جهودها وتطوير الأداء الدبلوماسي والعمل على تحويل انتصارات الجيش والقوات المساندة وصمود الشعب السوداني إلى فعل خارجي مؤثر وحضور دبلوماسي بارز عبر نسج تحالفات وعلاقات وشراكات تحافظ على هذه الانتصارات وتعززها. كما نؤكد أنه ليست لدينا أي قضية مع سفير أو بعثة بعينها، وندرك تماماً الظروف الصعبة التي تمر بها السفارات والقنصليات، بما في ذلك تأخر صرف الرواتب، وهي أوضاع عامة ومعروفة.

(2)
واعتمدت الصحيفة، في قياس وتقييم أداء سفراء السودان في الخارج أثناء تعاملهم مع المعركة الوجودية التي شنتها مليشيا الدعم السريع، على مجموعة من المعايير مثل
1/ قدرة السفير على حشد الدعم السياسي
2/ عدد وجودة اللقاءات مع مسؤولي الدولة المضيفة (حكومة، برلمان، أحزاب، مراكز القرار والتأثير) مثل السفارات في ألمانيا وإيطاليا.
3/ مدى مساهمة السفير في صدور مواقف رسمية داعمة للسودان وتصويت الدولة المضيفة لصالح السودان في المنظمات الدولية ومؤشر التقييم لذلك يعكس مدى تطور موقف الدولة المضيفة (من الحياد الى الإدانة والى الدعم الفعلي وهكذا.
4/ مدى تأثير السفير في السياسات الرسمية مثل دوره في فرض أو تشديد العقوبات على المليشيا وتقديم مساعدات ودعم المساعي القانونية ضد المليشيا (محاكم دولية و تحقيقات).
5/ الحضور الإعلامي القوي للسفير وعدد ونوعية الظهور في وسائل الإعلام الكبرى، المقالات والرأي العام. وتوضيح الرسالة الرسمية بتوصيف العدوان وتكذيب الرواية المضللة (حرب بين جنرالين)..الخ
6/ إبراز المعاناة الإنسانية وجرائم الحرب والمذابح خاصة في الجزيرة والجنينة والفاشر.
7/ مدى انتشار الخطاب الرسمي في الإعلام مقارنة بالمليشيا واعوانها مثل ترجمة مقال الرئيس عبد الفتاح البرهان الى اللغة الفرنسية كما قامت بذلك سفارة السودان لدى النيجر بقيادة السفير ابراهيم البارودي، وفي ايران بقيادة السفير عبد العزيز حسن صالح ومحطات آخرى.
8/ المعايير الاقتصادية والإنسانية من خلال جذب الدعم الاقتصادي مثل سفارة السودان بكوريا بقيادة السفيرة أميرة عقارب والإنساني وتسهيل مساعدات إنسانية مثل السفارة بتركيا (السفير نادر يوسف) وبالكويت (السفير عوض الكريم الريح) وحجم المساعدات التي حصل عليها السودان من الدولة المضيفة خلال الحرب.
9/ التفاعل مع الجاليات وتنظيمها وتحفيزها سياسياً وإعلامياً بخطورة ماتقوم به المليشيا مثل ماحدث في محطات اليابان، استراليا، كندا، بريطانيا وايرلندا وغيرها.

(3)
وعند النظر لأداء السفراء ناخذ في حلقة اليوم سفير السودان لدى السعودية دفع الله الحاج علي.. ولا خلاف على انه يعتبر أحد أقدم وأكفأ الدبلوماسيين السودانيين، ويستحق شارة القيادة للفريق الدبلوماسي  وقد تولى مسؤولية ثقيلة في توقيت استثنائي، (مبعوث الرئيس) حين اندلاع الحرب بينما كان الرئيس البرهان داخل القيادة العامة، ووزير الخارجية علي الصادق مختفياً – لم نعرف حتى اللحظة حقيقة غيابه – فقاد دفع الله وفداً وطنياً في ظل غياب كامل لمؤسسات الدولة، ولم يكن مدعوماً برؤية مركزية أو فريق إعلامي محترف وواجه حرباً مركبة عسكرية، سياسية، إعلامية.
لكن يؤخذ عليه رغم ما سبق، عند تقييم الأداء بصفته سفيراً للسودان بالرياض وتعاطيه مع الحرب كان يمكن أن يكون أفضل بكثير، لحزمة اسباب وهى ضعف الاستثمار الإعلامي فالرياض ليست مجرد عاصمة سياسية فهى عاصمة إعلامية عربية مؤثرة واصبحت مقر أو نقطة انطلاق لمعظم القنوات العربية والدولية المؤثرة ومساحة مفتوحة للتأثير في الرأي العام العربي والدولي ورغم ذلك لم نشهد حضوراً مكثفاً للسفير في القنوات الكبرى.. والمفارقة أن بعض هذه المحطات الإعلامية تقع على بعد خطوات سيراً على الأقدام من مقر السفارة. ولم يقم بحملة علاقات عامة توازي حجم الأزمة. كما غابت المبادرة السياسية الهجومية وكان ينتظر من سفير بخبرة دفع الله أن يقود دبلوماسية هجومية لا دفاعية. ويطرح مبادرات سياسية وإعلامية، بدل الاكتفاء بردود الفعل ويستثمر موقعه في دولة تقود التوازنات الإقليمية لا أن يكتفي بالتنسيق البروتوكولي.
كما لم يحول الثقل السعودي إلى مكاسب واضحة خاصة وان المملكة لعبت دوراً إيجابياً عبر منبر جدة. والآن هى الفاعل الرئيسي في الملف السوداني. وبلغ اهتمامها ذروته حين وضع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الملف السوداني على طاولة الرئيس الأميركي.

(4)
أما سفارة السودان في مالي بقيادة السفير خالد شكري، رغم كونها بعثة جديدة – آخر سفارة تم افتتاحها بالخارج – وتم اعتماد أوراق شكري في أكتوبر الماضي، ليصبح أول سفير فوق العادة ومفوض للسودان لدى مالي، مقيماً في العاصمة باماكو.
الأهمية التي تجعلنا نضع هذه السفارة تحت مجهر التقييم تكمن في موقع مالي ودورها الإقليمي، وتعتبر واحدة من الدول التي يشارك مواطنوها كمرتزقة في الحرب السودانية ضمن صفوف الميليشيا.
الأمر الثاني انها بلد ليست غريبة على شكري ولديه خبرة سابقة بها وعمل سفيراً في جارتها الغربية (السنغال) ويجيد الفرنسية.
الأمر الثالث عند اعتماد أوراقه، ابلغه الرئيس المالي الجنرال أسيمي غويتا عن تقديره للرئيس البرهان على الوفاء بوعده بإنشاء تمثيل دبلوماسي مقيم للسودان في باماكو عند زيارته لهم.
الأمر الرابع ان الرئيس المالي ابلغ شكري أنه سبق له العمل في السودان لمدة عام ضمن قوات (اليوناميد) في مدينة الفاشر مما يعني تفهمه لاوضاع السودان وخطورة الجنجويد.
الأمر الخامس أن مالي من الدول الغنية بالموارد المعدنية، الذهب تحديداً وأن الصراع في السودان يرتبط جزئياً بمصادر الذهب مما يمكن كسب تعاطف باماكو بخطورة صراع الموارد.
ورغم ان كل ما ذكر اعلاة اوراق قوة إلا أن استثمار السفير لها لم يظهر حتى الآن، ومع ذلك لا تزال أمامه فرصة كبيرة

(5)
لم تحسن سفارة السودان لدى جمهورية العراق بقيادة السفير عبد الرحيم سر الختم استثمار عمق العلاقات الثنائية التاريخية بين البلدين، الممتدة لعقود طويلة، في التعريف الحقيقي والفاعل بالحرب الدائرة في السودان، ولا في إبراز اثارها الكارثية.
ولم تبذل السفارة جهداً كافياً في شرح أبعاد الأزمة السودانية وتعقيداتها، ولا في توضيح انعكاساتها الإنسانية والأمنية، ويتأكد القصور إذا ما اخذنا في الاعتبار أن العراق نفسه عانى – ولا يزال – من مخاطر المليشيات وانتشار السلاح خارج يد الدولة، وهو ما كان من الممكن أن يشكل أرضية مشتركة لتعاطف عراقي وفهم عميق للموقف السوداني.
كما لم ينجح السفير في إقناع بورتسودان بأهمية مشاركة الرئيس عبد الفتاح البرهان في القمة العربية التي استضافتها بغداد في مايو الماضي، وهي أول قمة عربية تحتضنها العراق منذ عام 2012. ومثلت قمة 2025 تحدياً سياسياً كبيراً للعراقيين اجتازوه، إلا أن غياب الرئيس البرهان، وابتعاث الفريق إبراهيم جابر، جاء في وقت كان السودان أحوج ما يكون إلى حضور رفيع المستوى لتأكيد حضوره العربي وشرح قضيته مباشرة أمام القادة العرب.
ومع ذلك كان من الممكن تدارك هذا الغياب عبر ترتيب زيارة لاحقة ولو خاطفة، تعكس جدية السودان وحرصه على توطيد علاقاته مع العراق، واستثمار الزخم السياسي للقمة، إلا أن هذا لم يحدث، ما عكس ضعفاً في المبادرة لدى السفير وغياب الرؤية في إدارة ملف علاقات البلدين في ظل الحرب.

(6)
وفي الجانب الآخر في رواندا برع السفير خالد موسى منذ توليه مهامه، في استثمار الفرص بشكل غير مسبوق. فقد بدأ نشاطه قبل لقائه بالرئيس الرواندي بول كاغامي عند تقديم أوراق اعتماده في مايو الماضي، حيث قدم شرحاً متكاملاً عن الحرب في السودان وتمرد المليشيا.
أحدث خالد نقلة نوعية عندما قدم مقترحاً أن يقوم الرئيس كاغامي بدور الوساطة لحل الأزمة السودانية. وقد دعم مقترحه بمبررات قوية منها تجربة رواندا في ما بعد الإبادة والتصالح الوطني والتي تمثل نموذجاً رائداً في إدارة الأزمات والمصالحة الوطنية.وأكد أن السودان يثق بخبرة ومصداقية كاغامي لدى الدول الأفريقية.          هذا المقترح الذكي أحدث تحولاً كبيراً في الموقف الرواندي ورفع الاهتمام الإعلامي بالقضية السودانية، حيث تابعنا للسفير حضوراً غير مسبوق في وسائل الإعلام الرواندية، كان آخرها استضافته على التلفزيون الرواندي بمناسبة عيد الاستقلال، وتخصيص مجلة رواندية مرموقة ملفاً كاملاً عن السودان ودعما للشرعية. إلى جانب ذلك أجرى السفير لقاءات موسعة مع مسؤولين روانديين في قطاعات الصحة والتعليم، ذات صلة بتداعيات الحرب (الحمى النزفية) خاصة وأن رواندا تستضيف آلاف الطلاب والأسر السودانية التي لجأت إليها بسبب الحرب، من تدريب أطباء الامتياز وإجراءات القبول في الجامعات الرواندية، والاعتراف بالشهادات العلمية الصادرة عن مجلس التخصصات الطبية السوداني. كما التقى بعدد من السفراء الأفارقة لتقوية التعاون وفضح المليشيا.

(7)
من بين الأدوار البارزة التي لعبتها بعثة السودان في الخارج برز نشاط سفارة السودان في بريطانيا تحت قيادة القائم بالأعمال السفير بابكر الصديق محمد (أبوبكر). فقد نظمت البعثة ثلاثة مؤتمرات صحفية كبرى، كان أبرزها مؤتمر حضره وزير الخارجية (أسفيريا). وتزامن احدها مع ندوة لمعهد تشاتام هاوس شارك فيها عبد الله حمدوك، وهو الحدث الذي شهد حركة احتجاج شعبية غير مسبوقة في لندن العام الماضي.
تميز السفير أبوبكر بحضور إعلامي لافت عبر قنوات بارزة مثل (CNN) ، الجزيرة، سكاي نيوز، كما أجرى حوارات مع صحف كبرى منها الغارديان والديلي تلغراف، واستقبلت البعثة زيارات إعلامية من بي بي سي، التايمز، والغارديان. وكان للسفير خلفيته الصحفية ودوره السابق كناطق باسم وزارة الخارجية أثر واضح على حسه الإعلامي مما جعله قادراً على نشر مقابلات رداً على الكتابات المغلوطة لتوضيح الحقائق حول السودان، في صحف مثل فاينانشيال تايمز والغارديان.
وعقد السفير لقاءات مع عدد من أعضاء مجلس اللوردات، ونظمت البعثة ندوة بالبرلمان البريطاني لتوضيح موقف الحكومة والشعب السوداني تجاه الحرب، وهو إجراء غير مسبوق. كما حافظت البعثة على علاقات متميزة مع معاهد بحثية كبرى، إلى جانب لقاءات مع وزراء بريطانيين، منهم وزير القوات المسلحة، والوزير السابق والحالي للخارجية.
ونظمت البعثة احتفالاً رسمياً بذكرى الاستقلال العام الماضي لأول مرة منذ سنوات، كما احتفلت بالذكرى المئوية لتأسيس الجيش السوداني. أما أبرز أنشطة البعثة بقيادة السفير أبوبكر فشملت إصدار كتيبات، تناولت الدور الإماراتي في تأجيج الحرب، وآخر عن دور المرتزقة الأجانب في الحرب المفروضة على السودان، إلى جانب تنظيم عدد من الندوات والمشاركة في فعاليات مهمة، أبرزها استضافة السفير في جامعة أكسفورد للحديث عن الحرب المفروضة على السودان. ونجحت البعثة أيضاً في رعاية أنشطة الجالية السودانية، مما جعل بريطانيا واحدة من أهم ساحات الدعم الشعبي للقوات المسلحة السودانية.

(8)
اما سفارة السودان في تشاد يجب النظر اليها من زاوية خاصة تستحق التقدير، لأن السفارة تعمل في ظل غياب السفير بعد سحبه والاعتماد بالكامل على القائم بالأعمال بالإنابة الدكتور عبدالله أبكر صالح، واداري واحد في دولة جارة تضم نحو مليون ونصف لاجئ سوداني وأكثر من (200) ألف مقيم.
وقامت السفارة بدور محوري على عدة أصعدة رغم العلاقة المعقدة مع تشاد كدولة جارة تدعم المليشيا مثل النشر الراتب في صحيفة الانباء التشادية لجهود الحكومة السودانية وانتصارات الجيش على المليشيا الإرهابية. وانتاج فيلم وثائقي عن جرائم المليشيا كما أجرت لقاءات مع السفراء المعتمدين فضحت التمرد. ونجحت السفارة والقنصلية في أبشي في تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية لأكثر من 4 آلاف طالب لاجئ في مدارس الصداقة، وهو إنجاز إنساني وتعليمي مهم ناتج عن تداعيات الحرب وكذلك استعادة 142 مركبة سودانية منهوبة، بالإضافة إلى ترتيبات لاستلام عدد كبير من السيارات الخاصة بأفراد وصلوا إلى تشاد. وأشرفت البعثة بقيادة ابكر، على إعادة آلاف السودانيين إلى الوطن ضمن برنامج العودة الطوعية، مما ساهم في تخفيف معاناة اللاجئين والمقيمين.

وتواصل “الشعب” الحلقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!