اسامه عبد الماجد يكتب: العلاقات فوق الأزمات

0 سيطرت قضية المعدنين الذين لقوا حتفهم على الحدود السودانية المصرية – نسأل الله لهم القبول – على المشهد بشكل كبير خاصة بعد إقدام سوداني أمس على قتل مصريين وإصابة ثالث.. وتردد أن الجاني الشاب له شقيق ضمن المعدنين.. لكن الأهم هو التعامل مع الأمر بحكمة وتروي بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام أو الانسياق وراء الأصوات التي تسعى منذ زمن إلى إثارة الخلاف بين السودان ومصر.. مستغلة أي حادثة لتوسيع دائرة التوتر بين البلدين.. والتي يجب ألا تتأثر بأي حادثة وألا تتحول القضايا الفردية إلى سبب للخلاف بينهما.
0 حتى الآن لا بد من التحقق من هويات جميع المعدّنين المعنيين بالقضية وعدم افتراض أنهم جميعاً سودانيون.. وقبل التأكد من ذلك عبر الجهات المختصة فالتعامل مع مثل هذه الأحداث يجب أن يقوم على الحقائق والمعلومات الموثوقة.. وليس على التخمينات أو ما يجري تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي.. وحسنا فعلت الحكومة باعلانها تشكيل لجنة تحقيق في الحادثة.
0 لكن لو ثبت أن المعدنين ليسوا سودانيون أو حتى ان من بينهم مواطناً سودانياً واحداً.. فإن ذلك لا يبرر تحويل القضية إلى أزمة بين الشعبين أو إلى مواجهة سياسية وإعلامية.. فحقوق الأفراد تعالج وفق القانون وبالتواصل بين الجهات المختصة.. كما يجب الفصل بين مسؤولية الفرد والعلاقة بين الدول.. فوجود مخالفة من شخص مثل قتل مواطن امس لاثنين من المصريين لا يعني أن الشعب السوداني بأكمله مسؤول عنها.. ولا يجوز أن تتحول تصرفات أفراد إلى مبرر للإساءة إلى شعب آخر أو تأجيج المشاعر العدائية بين الأشقاء.
0 ويجب استصحاب تأكيدات مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل.. بشأن أهمية المحافظة على العلاقات مع دول الجوار والتي حملت دلالات مهمة.. فقد شدد في تصريحات سابقة على ضرورة الحفاظ على هذه العلاقات.. حتى مع الدول التي شهدت العلاقات معها أزمات أو مواقف مؤلمة للسودان.. وضرب أمثلة بإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان.
0 وهذه رسالة تستحق التأمل فالعلاقات بين الدول لا يعقل ان تقوم على العواطف.. ولا ينبغي أن تخضع لردود الفعل المتسرعة قد تقع خلافات وقد تحدث تجاوزات.. لا سيما وقد تعرض السودان لأضرار من بعض جيرانه لكن إدارة هذه الملفات تحتاج إلى حسابات المصالح الوطنية والحوار والدبلوماسية والعمل على حماية حقوق المواطنين.. ولن يضيع حق.
0 فإذا كان السودان رغم ما واجهه من مشكلات مع بعض دول الجوار مطالباً بالحفاظ على قنوات التواصل والعلاقات معها.. فمن باب أولى أن نتعامل مع علاقته بمصر بالقدر نفسه من المسؤولية.. وألا نسمح لقضية لم تستكمل تفاصيلها بعد بأن تتحول إلى وقود لحملات التحريض والتصعيد.. ومعلوم ان دولاً تستثمر في تاجيج نيران الفتنة وتتكسب من وقوع القطيعة بين السودان وجيرانه وفي مقدمتها مصر.
0 إن الخرطوم والقاهرة تربطهما علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية ومصالح مشتركة.. ولا يعني ذلك تجاهل الأخطاء أو التنازل عن الحقوق مع اهمية معالجة الخلافات بعقلانية.. والمطالبة بالحقوق عبر الطرق القانونية والدبلوماسية بعيداً عن التعميم والإساءة المتبادلة و”طولة اللسان” .. كما أن واجب الإعلام ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقتضي التثبت من المعلومات قبل نشرها.. وعدم تداول الأخبار غير المؤكدة وتجنب الخطاب الذي يزرع الكراهية بين الشعبين.. فالكلمة قد تسهم في تهدئة الأوضاع وقد تزيد التوتر وتخلق أزمة يصعب احتواؤها لاحقاً.
0 لا اقصد من ذلك الصمت عن أي تجاوز ولكن تكون المطالبة بالحق بموضوعية.. وبالحزم بعيدا عن التهور مع عدم المساس بالكرامة ودون الإساءة إلى الآخرين..
إن الحكمة تقتضي أن ننتظر الحقائق كاملة وأن نترك للجهات المختصة مسؤولية التحقق والمعالجة وألا نسمح لأحد باستغلال قضية المعدّنين لإفساد العلاقات بين السودان ومصر.
0 السودان في هذه المرحلة أحوج ما يكون إلى علاقات مستقرة مع محيطه وإلى خطاب مسؤول يحمي مصالحه ولا يضيف إلى أزماته أزمات جديدة.. نختلف حيث يجب أن نختلف ونطالب بحقوقنا في الوقت المناسب لكن دون أن ننسى أن حسن الجوار له واجبات.. ويستدعي ضبط النفس وهذا بكل حال ليس تنازلاً كما ان الحكمة لا تعني التفريط في الحقوق لانه لو تحلينا بالهدوء وضبط النفس سيمثل ذلك الطريق الذي يحفظ الحقوق ويجنب الشعب السوداني والحكومة مزيداً من الخسائر.
0 إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض علينا جميعاً التهدئة.. والتثبت من الحقائق قبل إطلاق الأحكام.. والاقرار ان التعدين الاهلي كارثي مع اهمية عدم الانسياق وراء الشائعات أو الحملات التي قد تستهدف تعكير صفو العلاقات بين السودان وجيرانه خاصة مصر.. إن المطالبة بحقوق المواطنين واجب لكن الواجب أيضاً ألا تتحول هذه المطالبات إلى دعوات للتصعيد أو الإساءة إلى الشعب المصري فالعلاقات بين الدول أكبر من الحوادث الفردية.
0 ولنجعل الحوار والتواصل طريقنا لمعالجة الخلافات بعيدا عن التراشق والاتهامات.. فليس كل ما ينشر حقيقة وكما ان اي خلاف لا يرتقي أن يتحول إلى أزمة.. كما ان التروي يقتضي الا نسمح لأصحاب الفتن بأن يجعلوا من قضية لم تتضح جميع تفاصيلها سبباً للفرقة بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
0 ومهما يكن من أمر.. على القيادة ان تقدر الموقف بعيداً عن صراخ منصات التواصل الاجتماعي.
13 اكتوبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




