أسامه عبد الماجد يكتب: عطاء (الكوبري)

0 لو تم الإعلان عن قيمة عطاء تأهيل جسر الحلفايا بالجنيه السوداني (42) مليار جنية.. دون الإشارة إلى أن التكلفة تعادل (11) مليون دولار، لما أثار الأمر أي انتباه.. فالأرقام حين تذكر بالعملة المحلية تفقد كثيراً من وقعها الحقيقي، خاصة في ظل التدهور المستمر لقيمة الجنيه.. مثالاً حكومة النيل الأبيض وقعت علي عقد رصف طريق بطول (51) كيلومتر بتكلفة (47) مليار جنيه.. لكن كل ذلك فتح الباب أمام تساؤلات حول الكيفية التي تم بها إرساء العطاء، ومعايير الاختيار وأسس التقييم.
0 الشاهد أن عشرات المشروعات تم التعاقد بشأنها خلال السنوات الأخيرة – خصوصاً في فترة الحرب – دون أن يعرف الرأي العام شيئاً عن تفاصيلها.. لم تنشر كراسات عطاء، ولم تعلن منافسات، ولم توضح معايير فنية أو مالية.. على سبيل المثال نفذت حكومة كسلا أعمال سفلتة طرق بطول (8) كيلومترات مع شركة تدعى إيربا في منطقتين.. كما وقعت حكومة كسلا عقداً آخر مع شركة تدعى (يس) لسفلتة (80) كيلومتراً بالشراكة مع شركات صينية. كذلك أبرمت حكومة البحر الأحمر عقداً مع شركة الموانئ الهندسية لرصف نحو (37) كيلومتراً بتكلفة تقارب (31) مليار جنيه.
0 والسؤال من هي هذه الشركات؟ ما خبرتها السابقة ؟ كيف رست عليها العطاءات؟ هل طرحت المنافسة علناً ؟ وهل خضعت لإجراءات المراجعة الفنية والمالية المستقلة؟ لا أحد يعلم.. الأمر لا يتوقف عند مشروعات الطرق. فلا أحد يعرف على وجه الدقة كيف تم تأهيل مطار الخرطوم.. ولا تفاصيل التعاقد مع الشركة التي تدير جزءاً من مطار بورتسودان وصالاته. ومشروعات الكهرباء والمحولات في ولاية الخرطوم والصحة والمستشفيات.. وتأهيل المقار الحكومية في البحر الأحمر.
0 كلها نفذت في طابع يغلب عليه الغموض.. بل إن الأحاديث المتداولة عن شراء منزل في البحر الأحمر بأكثر من مليوني دولار على البحر – يقع بالقرب من مقر إقامة رئيس مجلس السيادة – وما تلاه من أعمال تأهيل للمنزل غير معروفة التكلفة.. تزيد من حجم الأسئلة التي يصعب معها تقديم إجابات.. ويضاف إلى ذلك ملف آخر لا يقل أهمية عطاءات شراء السيارات للقوات النظامية.. وفواتير إيجار مقار الوزارات والمؤسسات الحكومية التي انتقلت إلى بورتسودان والتي عادت الى الخرطوم.. ونما الي علمي إن رئيس الوزراء يقيم في الخرطوم بمنزل مستأجر.. وكان من الأفضل لو أنه آثر الإقامة في منزله بالخرطوم شرق.. حتى وإن اكتفى بتأهيل غرفة وصالون فقط لا سيما أن أسرته غير مرافقة له.
0 لا توجد معلومات معلنة حول قيمة هذه الإيجارات ولا طبيعة العقود.. ولا مددها، ولا الجهات المالكة للعقارات ولا الأسس التي تم بها اختيارها.. كم تدفع الدولة شهرياً ؟ ومن المستفيد؟ وهل تمت المقارنة بين عروض متعددة أم جرى الأمر بصورة مباشرة؟.. ولا احد يعلم لماذا يتم استيراد وقود الطائرات بمبالغ طائلة مما جعل اصحاب شركتين من الاثرياء.
0 الشاهد أن سيناريو واحداً يتكرر.. رغم الأوضاع الاقتصادية الخانقة وشح في الموارد حيث مشروعات تنفذ وأموال تصرف عقود تبرم، ومقار تستأجر لكن دون شفافية كافية.. أو تنافس معلن أو نشر للتفاصيل الأساسية.. في ظل الحرب قد تبرر بعض الإجراءات الاستثنائية.. لكن لا يمكن أن تتحول الظروف الطارئة إلى قاعدة دائمة لتعطيل النزاهة.
0 الإنفاق العام ليس شأناً خاصاً بالحكومة، بل هو حق أصيل للمواطن في المعرفة.. من حق الناس أن يعرفوا كيف تنفق أموالهم، ومن يفوز بالعقود.. وعلى أي أساس وما هي الضمانات المقدمة وما هي آليات الرقابة والمتابعة.. غياب الشفافية لا يفتح الباب فقط للشبهات بل يضعف الثقة العامة في مؤسسات الدولة ويقوض شرعيتها الأخلاقية.. إن إعادة الإعمار سواء في زمن السلم أو الحرب يجب أن تقوم على أسس واضحة.. إعلان العطاءات، إتاحة المنافسة العادلة نشر نتائج التقييم، تمكين أجهزة المراجعة من أداء دورها، وتوفير المعلومات للرأي العام.. فالدول لا تبنى فقط بالإسفلت والخرسانة، بل تشيد كذلك بالثقة والمحاسبة.
0 ومهما يكن من أمر.. إذا استمر نهج التعاقدات (كُتيمي) وابرامها خلف الكواليس.. فإن القلق لن يكون فقط حيال تكلفة جسر أو طريق.. بل عن كلفة غياب الشفافية نفسها على الوطن.
الخميس 12 فبراير 2026
Osaamaaa440@gmail.com




