رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: الشيخ حمد.. من دعم السودان إلى نهضة قطر

 

نشر اليوم 21 يوليو 2026

في موقع الجزيرة نت

0 كانت المرة الأولى التي أراه فيها عن قرب في ولاية كسلا بشرق السودان عندما حضر لتدشين الطريق القاري (كسلا-اللفة) الذي يربط السودان بإريتريا. وهو المشروع الذي تكفلت دولة قطر بتمويله وتنفيذه بالكامل في أكتوبر/تشرين الأول 2011. في ذلك اليوم كانت الإجراءات البروتوكولية في مطار كسلا أخف مما هو عليه الحال في مطار الخرطوم، الأمر الذي أتاح لنا نحن الصحفيين فرصة الاقتراب منه منذ لحظة وصوله.
0 كما خصص لنا في موقع الاحتفال مكانا قريبا من منصة الضيوف، حيث كان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله وغفر له- يجلس إلى جانب الرئيسين: السابق عمر البشير، والإريتري أسياس أفورقي.
0 ومنذ لحظة استقباله لفتت انتباهي الطريقة التي صافح بها البشير. فقد بدت مصافحة أخ لأخيه لا تحية رسمية بين قائدين. وخلال مراسم الاحتفال ونحن نجلس على مقربة من الزعماء الثلاثة، كان حديثه الودي مع البشير وربته على يده والفرحة الصادقة التي ارتسمت على ملامحه وهو يشارك في هذا الحدث، تعكس جانبا إنسانيا مشرقا من شخصيته.
0 كان الأمير مثالا للتواضع والبساطة وهي صفات لم تنتقص شيئا من هيبته أو حضوره الطاغي، بل زادته وقارا كما عكست كلماته قوة وثقة ورؤية واضحة، فترك في نفوسنا انطباعا لن ينسى.
0 أذكر عندما اعتلى المنصة شدد على أهمية التنسيق في منطقة القرن الأفريقي. وقال إن الطريق القاري قد مهد له في القلوب قبل أن يُمهد له في الدروب. وبتواضع العظماء وجه الشيخ حمد حديثه للبشير وأفورقي، وقال إن ما قامت به دولة قطر من مساعدة في إقامة الطريق الحدودي ونزع الألغام، هو دور تكميلي لإرادة بلديكما وشعبيكما وسنظل معكم؛ إخوة يجمع بيننا التاريخ والجغرافيا والرؤية المشتركة الواعية بمصالح شعوبنا ومنطقتنا.
0 وهكذا لم يدخر الأمير الوالد جهدا ولا مالا في سبيل دعم استقرار السودان ومساندته في أحلك الظروف، حتى توجت تلك الجهود برعايته وإشرافه على تحقيق سلام دارفور وتنظيم مؤتمر إعادة إعمارها الذي ضخت فيه قطر الخير نصف مليار دولار. ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، وامتدت أياديه البيضاء إلى العديد من الدول العربية والإسلامية عبر مبادرات إنسانية وتنموية، ودعم للمشروعات الخيرية والإغاثية إلى جانب مساعيه في الوساطة لحل العديد من الأزمات والصراعات في مختلف أنحاء العالم، انطلاقا من إيمان راسخ بأن قوة الدولة الحقيقية توزن بإمكاناتها وأيضا بعطائها ومواقفها الإنسانية.
0 يعتبر الأمير الوالد من أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم بالنهضة الحديثة لدولة قطر وأسهموا في ترسيخ مكانتها بين دول العالم. وهكذا القادة يصنعون التاريخ بأعمالهم ورؤيتهم.. عندما تولى قيادة بلاده تجاوز النظرة إلى الحاضر بالتخطيط للمستقبل، فكان الشيخ حمد بن خليفة رمزا لمرحلة مفصلية في تاريخ قطر الحديث وقائدا ارتبط اسمه بالنهضة والبناء والطموح، بتحول تاريخي أعاد رسم ملامح قطر ونقلها من دولة واعدة إلى وطن يشار إليه بالبنان.
0 أثبت أن الأوطان تقاس بما تملكه من رؤية ومن قدرة على صناعة الإنسان، وبما تبنيه من مؤسسات، لذلك كانت النهضة التي حققها مشروعا متكاملا تجاوز تشييد المدن والأبراج، إلى بناء الإنسان وإطلاق طاقات الشباب والاستثمار في العلم والتعليم والاقتصاد والغاز والصحة والثقافة، حتى أصبحت قطر قصة نجاح عربية يقر بها العالم وغدت لاعبا مؤثرا في محيطها العربي والإسلامي، وصاحبة مكانة وصوت مسموع، ورسخت حضورها السياسي والاقتصادي والإعلامي والدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي.
0 إن التقييم الحقيقي للحاكم لا يكون فقط بما يحققه خلال سنوات حكمه وكذلك بما يتركه من إرث راسخ يبقى حاضرا في وجدان شعبه ويستمر أثره عبر الأجيال ودوران الأيام. وقد استطاع الشيخ حمد أن يؤسس لنهضة شاملة وأن يرسم لقطر مسارا تنمويا جعلها تحتل مكانة مرموقة بين دول العالم، مستندا إلى رؤية واضحة وإرادة لا تعرف المستحيل.
0 ولم تكن هذه الإنجازات وليدة الصدفة لكن جاءت ثمرة تخطيط إستراتيجي طويل، وعمل دؤوب وإيمان راسخ بأن المستقبل يصنع بالإرادة والرؤية والعمل.. من أعظم ما تركه الشيخ حمد أنه أنجب قائدا واصل مسيرة البناء والعطاء بثبات وحكمة، وهو صاحب السمو الشيخ تميم الذي حمل الراية بكل اقتدار وسار على نهج والده، محافظا على الثوابت الوطنية ومستكملا مسيرة التنمية والنهضة.
0 وهذه سمة القادة العظماء، يتركون وراءهم إنجازات وكذلك يورثون نهجا عظيما وأثرا طيبا ممتدا. ومن نعم الله على الأوطان أن يهيئ لها قادة يحملون الرسالة جيلا بعد جيل، كما شهدناه في قطر فيواصلون مسيرة التقدم بروح المسؤولية والإخلاص
0 وقد حافظ الأمير تميم على الأسس التي قامت عليها النهضة في بلاده وأضاف إليها رؤى جديدة وطموحة عززت مكانة دولة قطر في مختلف المجالات وآخرها الرياضية، ورسخت حضورها على المستويين الإقليمي والدولي لتستمر مسيرة التنمية دون انقطاع، وتمضي بثقة وثبات مستندة إلى إرث من الحكمة والتخطيط والعمل المتواصل.
0 سيظل الشيخ حمد حاضرا في ذاكرة قطر وفي وجدان الأمتين العربية والإسلامية، قائدا استثنائيا صنع مرحلة مفصلية في تاريخ بلاده وأرسى دعائم نهضة شاملة ورسم ملامح مستقبل أكثر إشراقا، وغرس شجرة مباركة أصلها ثابت وما زالت تؤتي ثمارها حتى اليوم.
0 وقد واصل الشيخ تميم مسيرة البناء والتنمية محافظا على هذا الإرث الوطني بعزيمة القادة وحكمة الرجال وهمة الشباب وإخلاص الأبناء لوطنهم، حتى أصبحت قطر نموذجا في الطموح والإنجاز والحضور المؤثر إقليميا ودوليا. رحم الله القائد الشيخ حمد الذي رحل بعد أن ترك بلاده أقوى مما كانت وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
0 ومهما يكن من أمر، حفظ الله قطر قيادة وشعبا وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار وبارك لها في مسيرة التقدم والازدهار.

osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!