رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: السودان واعتقال مادورو

 

0 بعيداً عن الجدل القانوني والأخلاقي حول العملية التي قامت بها الإدارة الأمريكية باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.. والذي يعتبر انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وتعارضاً واضحاً مع مبادئ وميثاق الأمم المتحدة.. وبعيداً كذلك عن مسؤولية مادورو نفسه في إفقار شعبه.. وعن دور أطراف فنزويلية رخيصة تآمرت عليه لحساب واشنطن.. فإن امر اخر في حادثة كاراكاس يستحق التوقف عنده.
0 ما لفت انتباهي حقاً هو طريقة إدارة الفريق الأمريكي بقيادة الرئيس ترمب للعملية، قبل التنفيذ وبعده.. من منتجع مارالاغو مقر إقامة ترمب وملكه الخاص، حيث كان يقضي عطلة أعياد الميلاد.. بدأ واضحاً أن هناك غرفة قيادة تعمل بكفاءة عالية، تضم الرئيس إلى جانب وزيري الحرب والخارجية، رئيس الأركان، ومستشارين آخرين.. ظهروا كفريق واحد، يتقاسم الأدوار بوضوح وانضباط.
0 قد يتفق المرء أو يختلف مع مضمون ما قالوه.. بل وقد يرى الكثيرين – وكاتب السطور واحدا منهم – أن الرواية الأمريكية بأكملها كانت مملوءة بالتضليل والكذب السياسي، لكن ما لا يمكن إنكاره هو وحدة الخطاب.. رواية واحدة تطرح من زوايا متعددة، وإجابات جاهزة لكل سؤال.. وحضور منظم أمام الصحافة ووكالات الأنباء.. حتى ما يمكن وصفه بـ “البلطجة السياسية” تم تقديمها في قالب دولة تعرف ماذا تريد ومن يتحدث باسمها، وكيف تدير رسائلها.
0 رغم نرجسية ونجومية ترمب الطاغية لم يظهر منفرداً.. بل حرص على أن يبدو محاطاً بفريق متماسك قوي ومترابط..كل فرد يعرف دوره وحدوده، ويؤدي مهمته بثقة، دون ارتباك أو تناقض.. وهنا تحديداً واحدة من الدروس والعبر التي تهم القيادة والحكومة السودانية.. السودان اليوم لا يواجه أزمة عادية ولا معركة كرامة هو يواجه عدواناً وحرباً شرسة تقودها مليشيا مسلحة تسعى لتقويض الدولة.. ومدعومة بمال لايتوفر للحكومة.
0 ويواجه السودان في الوقت نفسه  تعقيدات اقتصادية خانقة.. وضعفاً في الخدمات، وضيقاً في معيشة المواطن، ويعاني فوق ذلك من ضعف واضح في الأداء الحكومي.. خاصة في ظل حكومة كامل إدريس، التي تبدو مفككة، مترددة، بلا خطاب موحد ولا فريق قادر على إدارة الأزمات باحترافية.. مجموعة من المستشارين – باستثناء محمد عبد القادر – فشلوا تماما في مهامهم.
0 المشكلة في البلاد ليست فقط نقص الموارد أو تعقيد التحديات.. بل في غياب  الفريق القيادي المتماسك، يتحرك الرئيس البرهان وبمفرده.. وفي الخفاء تعمل مجموعات داعمه له بينما انتاجها خصماً عليه لأنها تغلب مصلحتها الشخصية على المصلحة العامة.. قلت مجموعات لأن بعضها يعمل على النيل ممن هم حول البرهان.. وهناك مجموعة تتبنى مشروع “الكاهن” وهو الوصف الذي تطلقه على الرئيس.
0 بشكل عام لا توجد لدى الحكومة رسالة واحدة.. ولا ناطقون يعرفون ماذا يقولون ومتى.. ولا تناغم بين المؤسسات المدنية وحتى العسكرية، بدليل تصريحات مساعد القائد العام ياسر العطا.. ووزارة الخارجية تبدو كجزيرة معزولة، تعيش صراعاً مكتوماً – صراع أجيال – بين سفراء قدامى لم يستفيقوا من صدمة لجنة التمكين – سيئة الذكر – التي شردتهم واعادتهم من محطات خارجية وجاءت عليهم الحرب وآثرت بشكل كبير على اوضاعهم الاقتصادية وبين سفراء جدد ترقوا مؤخراً مسنودين بمراكز نفوذ داخل حكومة كامل ادريس.
0 بشكل عام لا إحساس عام بأن هناك من يمسك بزمام الأمور بثقة.. ولذلك تعاني زيارات البرهان الخارجية من خلل بائن بما فيها زيارته الاخيرة لتركيا.. اما زيارات كامل ادريس حدث ولا حرج.. فضائح توازي أداء منتخب كرة القدم الذي يُمثل بسمعة السودان!! .
0 لا توجد دولة تواجه حرباً وأزمة اقتصادية بدون فريق قيادة موحد ومتجانس.. ان وضوح الأدوار وتماسك الخطاب لا يقلان أهمية عن السلاح أو المال.. انظروا للتعامل الخجول مع الرباعية والموقف من المليشيا وقارنوا بالموقف الحازم للقيادة السعودية من تحركات مجموعة اليمن الجنوبي وتبنيها نزعة انفصالية وبدء تمويلها عسكرياً.. وانظروا كذلك كيف تعاملت قطر مع العدوان الإسرائيلي الغاشم “دبلوماسية تملأ العين”.
0 على الحكومة السودانية أن تدرك أن إدارة الدولة.. في زمن الحرب تحتاج إلى عقل جماعي، لا أفراد متفرقين.. ومن خلفهم مجموعات عاطلة تسترزق منهم.. نحتاج بناء فريق كفء منسجم، صريح مع الشعب، يكون هو الخطوة الأولى نحو فرض الهيبة والاحساس بوجود دولة وحكومة.. نختلف مع أمريكا في أفعالها، لكنها تقدم لنا دروس في الإدارة والقيادة.
0 ومهما يكن من أمر.. من عدم الحكمة ان لا يستفاد من هذة الدروس المجانية.. وفي ذات الوقت الصرف على برامج ومشروعات وهمية.

الأحد 4 يناير 2026 osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!