أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان والبشير.. فخ العقوبات

0 أصدقكم القول إنني أصبحت أشعر بقدر من القلق.. منذ استمعت إلى حديث الرئيس البرهان أمس الأول في المناقل.. وتوقعه فرض عقوبات جديدة عليه وعلى السودان خلال الأيام المقبلة.. ويبدو أن واشنطن ترى أن العقوبات التي فرضتها عليه مطلع العام الماضي لم تحقق الاهداف المرجوة منها.. ومصدر القلق أنه إذا صحت هذه التوقعات فقد تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة.. ربما تحمل بعض أوجه الشبه مع المرحلة التي أعقبت مذكرة التوقيف التي أصدرتها الجنائية بحق الرئيس البشير في مارس 2009.
0 فقد سبقت ذلك سلسلة طويلة من الضغوط الخارجية من إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993.. إلى العقوبات الاقتصادية الأمريكية في 1997َ.. ثم العقوبات المرتبطة بدارفور في 2006 ومع ذلك لم تؤد تلك الإجراءات إلى إسقاط النظام.. لكن بعد صدور مذكرة الجنائية نجح الخارج وأعوانه – إلى حد كبير – في تشتيت ذهن البشير وخلخلة اركان حكمه.. ودفعه إلى تبني المواجهة مع الجنائية بصورة شخصية ومباشرة.. خلافاً لرؤية بعض كبار المسؤولين وفي مقدمتهم علي عثمان وعلي كرتي ولاحقاً إبراهيم غندور.. ودشن البشير تلك المواجهة بخطاب شديد اللهجة.. بلغ حد وصف المحكمة وقضاتها ومدعيها بأنهم (تحت جزمته).. وبذلك تحول تعامل الرئيس مع العقوبات من كونها قضية تتعلق بالدولة إلى ما يشبه المعركة الشخصية.
0 ويبدو أن ملامح مشابهة بدأت تظهر في حالة البرهان بعد فرض العقوبات الأمريكية عليه.. من شرب العرديب والقهوة إلى التقاط (سيلفي)، وقيادة (البوكس).. وحتى تناول (البوش) في محل غير ملتزم بالاشتراطات الصحية في محاولة لإيصال رسائل إلى الخارج.. ولا أرى حاجة إلى إثبات القرب من الناس.. فالحرب وحدت الشعب خلف الجيش وقيادته.. والواقع على الأرض يقول إنه ما زال يحظى بقاعدة شعبية وسياسية واسعة.. وبالتالي لا داعي للجولات وإرهاق الفريق صبير وأركان حربه في الاستخبارات.
0 قواسم مشتركة بين مرحلة ما بعد العقوبات على البشير وما يمكن أن يحدث حول البرهان.. فقد صور للبشير في فترة ما أن نائبه علي عثمان ومدير جهاز الأمن صلاح قوش يعملان ضده.. ولذلك بعد طلب اوكامبو من المحكمة اصدار مذكرة التوقيف وكانت لم تصدر بعد.. أقام ابن قوش – سياسياً – مستشار الرئيس الجنوبي توت قلواك احتفالاً ضخماً بمناسبة ترقية قوش إلى رتبة الفريق أول في النادي الدبلوماسي في فبراير 2009.. كان هدف صلاح طمأنة البشير.. حيث حذر المؤيدين للجنائية وقال ان كل من يحاول ادخال يديه لانفاذ مخططاتها “سنقطع يده ورأسه وأوصاله”.
0 ثم اتجهت الأنظار إلى علي عثمان وتنامى الهمس حول موقفه.. وانتهز طه زيارة له الى الهلالية بولاية الجزيرة وبعث برسالة سياسية قوية.. حيث تعهد بقطع من اسماهم المتطاولين على النهج والشعب والرئيس عمر البشير بحد السيف.. رغم انها لغة لا تشبهه واكد أن الدولة لن تسمح بأية تدخلات أجنبية أياً كانت.. أو المساس برمز السيادة ممثلاً في رئيس الجمهورية.
0 مع ذلك شهدت مرحلة ما بعد الجنائية تراجعاً تدريجياً في علاقة البشير بعدد من كبار رجاله.. وزاد نفوذ البعض مثل نافع علي نافع ولمع نجم البعض لكن لم يحولوا الأزمة إلى بناء شخصي.. مثل الفريق أول شرطة هاشم الحسين الذي تنامى نفوذه بشكل كبير.. لكنه في المقابل كان صادقاً وعمل على بناء جهاز شرطة قوي ونجح في ذلك.. إلى درجة أن البشير منحه الضوء الأخضر للتصرف في المال (التجنيب) بما يخدم الشرطة.
0 وفي المقابل استثمر أمثال الوزير أسامة عبد الله ومجموعته في الأزمة لصالح توسيع نفوذهم وبناء امبراطورية.. بينما ظهرت لاحقاً مجموعة أخرى اتخذ نفوذها طابعاً خارجياً ويمثل هذا التيار الفريق طه عثمان والباغي الشقي حميدتي.. وعلى سبيل المثال عندما تولى الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في يناير 2015.. وجد أمامه الرجلين يتعاملان مع أشد الملفات حساسية دون أن يطلبا العودة إلى الخرطوم لأخذ المشورة.. وتعلمون كيف أن السودان قطع علاقاته مع إيران بمكالمة من طه.. وكيف أن مكالمة قصيرة من الأخير انتهت بتعيين الجنجويدي إبراهيم الميرغني وزيراً للدولة.. رغم أن ملف التعيينات كان قد أغلق حينها.
0 وتنطبق هذه القاعدة على المرحلة الراهنة.. ويبدو أن القيادة الحالية لم تستحضر حكمة الفيلسوف والكاتب الأمريكي سانتيانا.. (أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره).. فقد أفرزت الحرب والعقوبات المفروضة على البرهان مجموعة من الشخصيات والمراكز التي تكاثرت بصورة مقلقة.. ولعل أخطرها تلك التي تجاوزت الحدود.. مثل مني مناوي وأمجد فريد من خلال تحركات خارجية تبدو غير مطمئنة إن لم تكن مريبة.. وتتقاطع مع وزارة الخارجية.. ولا أحد يعلم على وجه الدقة ماذا يقولان للخارج أو إلى أي مدى تتوافق تحركاتهما مع الموقف الرسمي وهو ما يجعلهما عامل خطر حقيقي على البرهان.
0 خطورة مناوي أكبر بحكم امتلاكه السلاح واستفادته من ظروف الحرب في “تشوين” قواته بالسلاح والعتاد.. كما استفاد من فرض واشنطن عقوبات على منافسه في السلطة وفي دارفور زعيم حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم.. والرجلين مثل الشيخ موسى هلال وحميدتي.. ينحدران من عشيرة واحدة ويمتلكان السلاح.. وبالمناسبة من المهم أن يبحث الرأي العام في الجهات التي تقف وراء حملات الاستهداف.. وتشويه السمعة السياسية التي يتعرض لها جبريل وحركته.. وأن يتساءل عن المستفيد منها وعن أهدافها في ظل صراع النفوذ والسلطة.
0 كذلك هناك مجموعات استفادت داخلياً من الفراغ السياسي المحيط بـالبرهان.. على نحو يشبه ما قام به تيار الوزير أسامة عبد الله .. من بين هذه المجموعات “شلة” كامل إدريس التي وصلت بها الجرأة إلى إجراء معاينات للوزراء والجمع بين المناصب.. ومجموعة ثانية من خارج الحكومة والمؤسسة العسكرية وصلت الى البرهان بالطريقة ذاتها التي اتبعتها فئة بالتقرب من البشير عبر إيهامه بأن علي عثمان وقوش يقفان ضده.
0 عملت المجموعة على إحداث الوقيعة بين البرهان وكباشي.. من خلال تصوير الأخير عدواً له.. وهى أشد خطراً على الدولة كونها عملت على تقوية نفوذها عبر الإعلام.. والتدثر برداء الجيش فضلًا عن طرح المبادرات.. ومنهم من روج لأنفسهم بإطلاق ألقاب مستمدة من الكتاب العسكري.. بينما أصبح بعضهم يدعي امتلاكه كامل المعلومات المتعلقة بسير العمليات العسكرية.. وعندما وجد هؤلاء أن الساحة أصبحت “خلا” اتجهوا إلى تكوين شراكات خفية ومشبوهة و”تقاسم” ملايين الدولارات.. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تفتح أبواب مؤسسات الدولة.. حتى التي يفترض أن تكون (ممنوع الاقتراب والتصوير) منها أمام حسناوات.. يتحركن في الفضاء الاعلامي وآخريات في مجال المال والاعمال مما افقد الدولة هيبتها ووقارها.
0 قريباً من التيارات التي اوعزت الى البشير أن إخوانه وفي مقدمتهم علي عثمان خصوماً له.. تم شق صف الإسلاميين بالترويج بكثافة لصراع بين طه ونافع.. حتى إن الكاتب الصحفي المرموق طلحة جبريل كتب عن ذلك مقالاً ذائع الصيت في صحيفة الشرق الأوسط عام 2011.. وغرق الحزب والحركة الإسلامية في مستنقع ما عرف بـ (جماعة علي عثمان) و(جماعة نافع).. بينما استمتع البشير بالمباراة من مدرجات المتفرج والمستفيد.. إلى أن وصلت به الجرأة إلى الإطاحة بهما معاً وفي يوم واحد.. أواخر 2012 وسبقها باقالة قوش في 2010 وكان ذلك بداية العد التنازلي لحكمه.
0 الأمر ذاته يتكرر اليوم من خلال محاولات صناعة وقيعة بين كباشي ومدير المخابرات أحمد مفضل.. والترويج بكثافة أن كثيراً من المعلومات التي تصل إلى وسائل الإعلام تخرج من نوافذ مكتب كباشي.. وغيرها من الاكاذيب والهدف من ذلك ليس الجنرالين ولكن تحطيم العلاقة بين الجيش والمخابرات.. بضرب قوتين صلبتين جهاز المخابرات بكل إرثه وتاريخه ومفضل بما يتمتع به من حكمة وخبرة.. وكباشي بثقله العسكري ورمزيته المجتمعية.. ولكن قبل ان يحجز البرهان مقعده لمتابعة المباراة أفشل مفضل هذا المخطط.
0 ثم جاءت محاولة أخرى لزرع الفتنة بين كباشي والعطا.. لكن الأخير كان (شِفت).. فاستغل لقاء حاشداً في شندي ليبعث برسالة قوية حين قال مقولته الشهيرة.. (كبش يا قوة.. كبش يا حديد).. بعد أن استهل حديثه بالتحايا ومناداته بـ (أخي الكريم).. وجاء العناق الأخوي الصادق بين الرجلين ليؤكد المعنى ذاته.. وكان مشهداً تناقلته الصحافة لحظة وصول كباشي إلى وادي سيدنا لأول مرة منذ اندلاع الحرب قادماً من سلاح الإشارة.
0 إن استهداف كباشي والهجوم عليه كما حدث سابقاً مع علي عثمان.. استفاد منه كثيرون في مساعيهم للتقرب من البرهان.. والحقيقة أن كباشي لم يكن يوماً جزءاً من صراع السلطة والمال.. ولم يتحدث أحد عن انحياز رجل اعمال الى جانبه من هشام السوباط و “أنت نازل”.. الذين تفرقوا بين الرئيس ومساعديه ميرغني إدريس وإبراهيم جابر.. وحتى العطا عندما كانت تنشر تكايا رجل الأعمال عمر النمير تحت إشرافه.
0 ان كباشي يستمد ثقله بعيداً عن الحملات الإعلامية أو شبكات المصالح.. كما أنه عرف عنه متى يظهر ومتى يترك الساحة لغيره.. ومتى يناور ومتى يتخذ موقفاً واضحاً.. وهذه صفات منحته وزناً الجيش.. كما يمتلك قدرة على قراءة المشهد السياسي والتعامل معه بذكاء وهدوء.
0 سيستمر ذات المخطط الخبيث الذي سبق أن أدى إلى إبعاد علي عثمان وقوش وشخصيات بارزة أخرى مثل عوض الجاز والمتعافي وكمال عبد اللطيف ولاحقاً بكري حسن صالح عن البشير الذي اصبح وحيداً مما سهل انتياشه.. وأتوقع أن تكون المحاولة هذه المرة ارباك البرهان من خلال زرع الفتنة بينه ومساعده ميرغني إدريس.. رغم أن الأخير نفسه فرضت عليه عقوبات .. كما أتوقع استهداف العطا لا سيما بعد أن دشن نشاطاً خارجياً قوياً ومهماً شمل أهم دولتين عظمتين في المنطقة (السعودية وتركيا).. كذلك أجرى العطا مباحثات عسكرية مهمة في أنقرة.
0 إذا كان درس البشير يفرض علينا مراقبة ما يجري حول البرهان مع عقوبات جديدة محتملة.. ينبغي الانتباه ان المشكلة ليست في العقوبات ولا في الضغوط الأمريكية والغربية التي يتعرض لها السودان كما اقر مالك عقار.. لكن في طريقة إدارة القيادة لهذه الضغوط.
0 ينبغي ألا تحقق العقوبات أهدافها غير المعلنة.. والمتمثلة في دفع الرئيس إلى فقدان الثقة بمؤسساته ورجاله وإبعاده عنهم.. واغلاق المجال أمام التأثير في قراراته.. كما يجب ألا تؤدي إلى تضخيم صراعات النفوذ أو إلى صناعة شخصيات جديدة حوله.. أو إقناعه بأن أصحاب الخبرة والقوة داخل الحكومة والجيش يشكلون تهديداً لموقعه.. ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن يفعله البرهان هو الاستفادة من تجربة البشير وعدم تكرارها.. وذلك بحماية المؤسسات قبل الأشخاص.. وتوسيع دائرة المشورة.. وجعل القنوات الرسمية هي مصدر القرار وعدم السماح بتحويل العقوبات إلى مدخل لصناعة مراكز نفوذ داخلية.
0 ومهما يكن من امر.. فالعاقل من اتعظ بغيره ومنع أصحاب المصالح والانتهازيين من الهمس في اذنه بأن كل من حوله أعداء.
الأحد 23 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com



