أسامه عبد الماجد يكتب: اعتذار كولومبيا

¤ كان شيئاً مثيراً، طلب سفيرة كولومبيا لدى القاهرة السيدة أنا ميلينا موعدا مع سفير السودان بمصر عماد عدوي.. والتقته لتفاجئه باعتذار بلادها للسودان وشعبه عن مشاركة كولومبيين في القتال بصفوق مليشيا حميدتي.. وتواصل ادهاش الكولومبيين للسودانيين باتصال وزير الخارجية بنظيره د. علي يوسف وتقديم اعتذار ثان للسودان.
¤ يالهم من رائعين اولئك ” الكولومبيين” .. اعطونا درسا في ادب الاعتذار… تشعر كولومبيا بما يعانيه السودان من مليشيا حميدتي.. عانت هى الاخرى من عصابة جنجويدية.. (القوات المسلحة الثورية الكولومبية) المعروفة اختصارا بـ (فارك) كانت تستجلب مرتزقة ، توصلت الحكومة لاتفاق معها في العام 2016.. انهى حربا استمرت (52) عاما.. ربما الاطول في العالم.
¤ في حفل توقيع الاتفاق ظهر الرئيس الكولومبي حينها خوان سانتوس وزعيم الجنجويد رودريغو ومرافقيهم يرتدون الاقمصة البيضاء.. ولحظه التوقبع طلب حميدتي الكولومبي الصفح من ضحايا الحرب وقال: (باسم القوات المسلحة الثورية الكولومبية، أعتذر بصدق لجميع ضحايا النزاع عن أي ألم قد نكون تسببنا به أثناء هذه الحرب).. حتى (الجنجويد) منهم يعتذرون.
¤ شعرت حكومة كولومبيا بالخزي بمشاركة مجرمين من بلادها في حرب السودان.. ذكرتهم بحركة فارك التي فعلت ذات جرائم مليشيا الدعم السريع في الشعب الكولومبي.. كانت فارك تنتهج أسلوب حرب العصابات والخطف والعمليات الانتحارية والتفجير واتهمت بالاستفادة من ملايين الدولارات من عائدات الاتجار بالمخدرات الكولومبية.. حتى انه تم إدراجها على لائحة الإرهاب بأميركا والاتحاد الأوروبي وكندا وبرلمان أميركا اللاتينية “عقبال مليشيا حميدتي”.
¤ عندما توصلت الحكومة الكولومبية لاتفاق مع (فارك الجنجويدية) منح على اثره الرئيس الكولومبي سانتوس جائزة نوبل للسلام.. تم اخضاع الاتفاق لاستفتاء.. رفض الشعب الكولومبي الاتفاق .. حيث اعتبر ان عناصر الحركة المتمردة منحوا حصانة من الملاحقة القضائية وطالبوا بمعاقبتهم عن جرائمهم.. رغم ان الاتفاق نص على ان لا يستفيد مرتكبو الجرائم ضد الإنسانية والمجازر وعمليات الاغتصاب من العفو.
¤ كذلك رفض المعارضون للاتفاق مشاركة (فارك) في الحياة السياسية.. مع ان الاتفاق لم يمنحهم أي موقع سيادي ولا عسكري رفيع.. انما نص على القاء المتمردين سلاحهم والتحول الى حزب سياسي فقط منحوا (5) مقاعد في مجلس النواب ومثلها في مجلس الشيوخ.. وكانت الحكومة الكولومبية مررت الاتفاق رغم رفض الشعب.. لكن مما يحسب لها انها نفذته وبصرامة بنزعها سلاح نحو (7) الف جنجويدي من (فارك) واستلمت منهم ما يقرب من (9) آلاف قطعة سلاح. وبحلول عام 2017 – اي بعد اقل من عام من الاتفاق – تم تسريح عناصر المليشيا بالكامل.. والتي تعتبر أقوى حركة متمردة في أميركا اللاتينية.
¤ لكن لم ينس الشعب الكولومبي مراراته.. وخلال السنوات الاولى من عمر الاتفاق تم قتل (331) من المقاتلين السابقين.. احدهم مليشي كبير كان يدافع وبشدة عن الاتفاق.. تحولت فارك الى حزب سياسي وشاركت في الانتخابات ولم تحصل على شئ يذكر وكان يتم فض تجمعاتها لانها منبوذة.
¤ ان كولومبيا دولة ملهمة.. تجربتها مليئة بالدروس والعبر مثل اعتذارها لبلادنا.. السفيرة أنا التي التقت عدوي كانت السيدة الاولى في بلادها (زوجة رئيس كولومبيا الاسبق سيزار جافيريا) انخرطت في الدبلوماسية لتساهم في رفعة بلادها والتي يكاد لايعرف السودانيين عنها شيئا الا قليلين يعرفون الأديب العالمى الحاصل على جائزة نوبل فى الآداب جابرييل قارسيا ماركيز والمطربة العالمية شاكيرا، واللاعب فالديراما وحارس المرمى المشاغب هيغيتا
¤ ومهما يكن من امر.. الذي يجب ان تعرفه الحكومة وكان يجب ان يسال عنه السفير عدوى سيدة كولومبيا الاولى.. كيف تمكن الجيش الكولومبي من قتل كبار قادة مليشيا فارك قبل السلام ؟!.
* الثلاثاء 3 ديسمبر 2024
osaamaaa440@gmail.com




