رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: أوراق البرهان المكشوفة

 

0 لا أعتقد ان جلوس الرئيس البرهان لممارسة لعبة الورق “الكوتشينة” هو القضية في حد ذاتها.. فالرئيس في نهاية الأمر إنسان ومن حقه أن يمارس حياته الخاصة.. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في توقيت ظهور المقطع وفي الرسالة التي وصلت إلى الناس وفي الطريقة التي تعامل بها المحيطون بالرئيس مع هذا المشهد.
0 لقد أثار مقطع “الكوتشينة” جدلا واسعا ثم جاء التصريح المنسوب إلى العقيد مهندس عماد الدين عوض بشير مسؤول الصفحات الرسمية للقوات المسلحة السودانية على منصات التواصل الاجتماعي ليزيد من أهمية القضية بدلا من أن ينهي الجدل.. فقد أشار العقيد إلى أن المقطع قديم ويعود إلى فترة بعيدة وأن إعادة تداوله في هذا التوقيت تهدف إلى إرسال رسائل سلبية عن قيادة الدولة والتأثير على صورتها أمام الرأي العام لا سيما وقد جاءت بالتزامن مع حادثة مقتل المعدنين – التعليق من عندي –
0 حسنا إذا كان الفيديو حديثا وتم نشره في إطار محاولة تقديم الرئيس بصورة المواطن البسيط القريب من الناس .. فإن من اختار هذا التوقيت لم يحسن قراءة المشهد السياسي لانه ليس كل ظهور عفوي يحقق الشعبية.. لقد اعتاد السودانيون مشاهدة صور للرئيس وهو يحتسي القهوة في الأسواق أو يشرب العرديب على قارعة الطريق أو يقود عربة بوكس لنقل الطلاب.. وقد تكون مثل هذه المشاهد مقبولة في ظروف معينة لكنها تفقد أثرها الإيجابي عندما تتزامن مع أحداثا دامية.. لكن ظهر الرئيس في مشهد ترفيهي مما أعطي انطباعا بأنه بعيد عن هموم الناس حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود.
0 إذا كان الفيديو قديما بالفعل فإن إعادة تداوله في هذا التوقيت تفتح الباب أمام احتمالات متعددة تتطلب التحقيق حول مصدر نشر المقطع وتاريخه والظروف التي أحاطت بانتشاره.. ويبدو أن هناك جهة تعمدت استهداف الرئيس مما يعني إن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة إدارة الصورة العامة للبرهان وفي أداء الدائرة المحيطة به.
0 إن من يتولون إعداد برامج الرئيس غير الرسمية مطالبون بمراجعة أساليب عملهم والتعامل مع ظهوره باعتباره مسؤولية سياسية وإعلامية.. لا يعقل التعامل بعفوية واغفال التخطيط وكما ينبغي ألا تقتصر المراجعة على البرامج غير الرسمية.. حيث يجب أن تمتد إلى اللقاءات الجماهيرية والتصريحات والوعود التي تطلق أمام المواطنين.
0 تحضرني تجربة الرئيس عمر البشير وما كان يعلنه خلال بعض لقاءاته الجماهيرية من تبرعات والتزامات مالية.. وقد أثار وزير المالية – آنذاك – الرجل القوي د. عوض الجاز صعوبة الوفاء ببعض هذه الالتزامات وهو ما يوضح خطورة إطلاق الوعود أمام الجمهور دون تقدير دقيق لإمكانية تنفيذها.. ان السياسة لاتقبل الاستعراض أمام الكاميرات والتبرع أمام الجمهور لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المؤسسات والبرامج المنظمة.. فالدولة تدار بالتخطيط والمحاسبة والقدرة على الوفاء بالوعود.
0 إن الدائرة المحيطة بالرئيس البرهان بحاجة إلى مراجعة جادة تعيد ترتيب الأولويات وتضمن وصول النصح الصادق إليه. فالقائد الذي لا يسمع إلا ما يرضيه قد يجد نفسه بعيدا عن حقيقة الشارع حتى وإن كان يعتقد أنه الأقرب إلى الناس. والرئيس يحتاج إلى مستشارين يملكون الشجاعة لتوضيح الأخطاء قبل وقوعها دون الاكتفاء بالدفاع عنها بعد أن تتحول إلى أزمات.
0 لكن يحتاج البرهان إلى قراءة كتاب الأمير للفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي الذي يعتبر من أشهر الكتب في الفكر السياسي.. فقد ركز مكيافيلي على فهم طبيعة البشر وموازين القوة والتعامل مع الواقع السياسي كما هو لا كما يتمنى الحاكم أن يكون.
0 ومن أشهر الأفكار المرتبطة بكتابه أن الحاكم يحتاج إلى صفات الثعلب والأسد معا.. فالثعلب يعرف كيف يكتشف الفخاخ ويتجنبها بينما يمتلك الأسد القوة التي تمكنه من مواجهة الأخطار. والمغزى هنا أن القيادة تحتاج إلى الحكمة والقدرة على قراءة الأحداث واستشراف نتائج القرارات قبل اتخاذها.
0 لكن بالمقابل الذكاء السياسي ان يتم فهم الواقع والتعامل معه بمسؤولية واتخاذ القرارات التي تحمي الدولة وتحفظ ثقة المواطنين لا تجاهل معاناتهم .. وعلى الرئيس البرهان أن يراجع طريقة إدارة ظهوره الإعلامي وأن يجعل لكل ظهور هدفا واضحا ورسالة مفهومة.. كما ينبغي لمستشاريه دراسة المزاج العام وحساسية الأحداث قبل نشر أي محتوى يتعلق به مع إعطاء الأولوية لقضايا المواطنين ومعاناتهم.
0 طريقة وتوقيت ظهور الرئيس في مقطع الكوتشينة والرسائل التي وصلت إلى المواطنين كلها أمور تؤثر في صورته أمام الناس.. فالسياسة ليست لعبة كوتشينة نخفي فيها الأوراق وننتظر الوقت المناسب لكشفها.. وفي بلد يمر بظروف صعبة تزداد مسؤولية القيادة وتصبح الحكمة وحسن التصرف أكثر أهمية.. فالمواطن ينتظر مواقف مسؤولة وقرارات تحل مشكلاته وتحفظ كرامته وتخفف معاناته.. قد ينجح المستشارون في تحسين صورة الرئيس لفترة لكنهم لن يستطيعوا بناء ثقة حقيقية لدى الناس إذا لم تدعمها الأفعال.
0 ومهما يكن من أمر.. القائد الناجح هو من يحيط نفسه بأشخاص يمتلكون الشجاعة لمصارحته بالحقيقة قبل فوات الأوان.

الجمعة 16 اكتوبر 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!