مودعاً الحياة.. الرئيس النيجيري الأسبق اوباسانجو يكتب رسالة مؤثرة تمس القلب

ترجمها إلى العربية : عبدالعزيز سام
كتب الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيجون أوباسانجو، البالغ من العمر 94 عامًا، رسالة مؤثرة إلى الشعب النيجيري. هل يعني ذلك أنه على وشك الرحيل عن هذه الدنيا؟ إليكم ما كتبه. لقد أعلن بالفعل أنه يودع الحياة
أيها المواطنون الأعزاء،
يقول لكم الناس إن الحياة طويلة جدًا. “عيشوا ببساطة”، يقولون “لا يزال هناك متسع من الوقت”.
أنا في الرابعة والتسعين من عمري وأنا أكتب هذه السطور، وأقول بكل يقين: هذا ليس صحيحًا الحياة ليست طويلة؛ إنها قصيرة كلحظة خاطفة. الآن وقد أوشكت على الرحيل عن هذه الدنيا يرغب قلبي في أن أشارككم بعض الحقائق.
لقد جمعت ثروة، ونلت الاحترام، وبنيت اسمًا – لكن الليلة أشعر أن كل ذلك كالغبار المتناثر في زاوية غرفتي. لو مددت يدي، لما أخذت شيئًا معي. الأشياء التي احتفظت بها لنفسي طوال حياتي أشعر الآن وكأنها رمال تتسرب من بين أصابعي.
قبل أن أرحل، أريد أن أريح قلبي،بعض الأمور ظلت مدفونة في داخلي لسبعين عامًا. لا أريدك أن تستلقي على سريرك يومًا ما، تسترجع ذكرياتك الماضية، وتشعر بوخزة في قلبك مع كل ذكرى.
. الحقيقة الأولى: توقف عن العيش في غرفة الانتظار.
. مرّ جزء كبير من حياتي في انتظار.
. في المدرسة، كنت أظن أن الحياة ستبدأ بمجرد حصولي على شهادتي.
. عندما حصلت على وظيفة في الجيش، كنت أنتظر عطلة نهاية الأسبوع.
. بعد الزواج، كنت أنتظر أن يكبر أطفالي.
. عندما كبروا، كنت أنتظر التقاعد.
كنت أتعامل مع كل لحظة حاضرة على أنها مجرد مرحلة، كما لو أن الحياة الحقيقية تنتظرني في مكان ما في المستقبل. ظللت أحدق في الأفق البعيد ولم أشعر أبدًا بالأرض تحت قدمي .اليوم أدرك أنه لا توجد وجهة نهائية. الرحلة نفسها هي الحياة – وبدلًا من أن أعيشها، مررت بها مرورًا عابرًا.
. ما زلت أتذكر يوم ثلاثاء ممطر، كنت في الثلاثين من عمري، جالسًا في مكتبي، أحدق في الساعة. كان المطر ينهمر بغزارة في الخارج، وقلبي يضطرب في داخلي. تمنيت لو يمر الوقت سريعًا. تمنيت لو أستطيع الهروب من ذلك اليوم.
اليوم، لو سألني أحدهم، لتبرعت بكل ما أملك لأعيش ذلك اليوم مرة أخرى – الكرسي، الصمت، صوت المطر على الزجاج، وقوة ساقيّ..
. ربما تفعل أنت الشيء نفسه، تقول: “سأكون سعيدًا عندما أترقى. سأشعر بالسلام عندما أمتلك المزيد من المال. ستكتمل حياتي عندما أجد الشخص المناسب”. أنت تبيع اليوم مقابل الغد – وقد لا يأتي ذلك الغد أبدًا..
. لا تضيع أيامك هكذا. سيأتي يوم تدرك فيه أن تلك الأيام العادية كانت هي الأثمن.
. الحقيقة الثانية: الذهب لا يُؤكل.
. قضيتُ خمسين عامًا في بناء إمبراطورية. ساعات عمل طويلة. غبتُ عن أعياد ميلاد أطفالي.
. حتى في الأعياد:كان ذهني شاردًا في المكتب. رأيتُ الانتظار في عيني زوجتي، فواسيتُ نفسي قائلًا “أفعل هذا من أجلهم”.
. اشتريتُ منزلًا كبيرًا، وسيارة فاخرة، وملابس أنيقة. ظننتُ أن هذه الأشياء تزيد من قيمتي تجعلني أبدو أعظم في نظر الآخرين.
.الآن وقد اقترب رحيلي، أدركتُ أن لا شيء من ذلك سيذهب معي. سيصبح المنزل ملكًا لشخص آخر. ستُطلى الجدران وفقًا لذوق شخص آخر. ستنتهي السيارة في مكب النفايات. سيبقى المال مجرد رقم الليلة، لا يمكنه أن يمسك بيدي أو يطمئنني.
. أتذكر يومًا نادتني فيه ابنتي إلى الحديقة. كانت قد وجدت حشرة صغيرة، وأرادتني أن أجلس معها وأراقبها. كان الفرح يملأ عينيها. قلتُ: “ليس الآن، أنا مشغول أنا أكسب المال”انصرفت بهدوء. لا يزال الحزن في عينيها يُحرق قلبي. أضعتُ لحظةً ثمينةً مع ابنتي مقابل بضع أوراق.
.إذا كنتَ تُرهق نفسك من أجل راتبٍ فقط، فتوقف. سيستبدلك مكان عملك سريعًا، لكن بيتك لن ينساك أبدًا. اجمع ثروةً من الذكريات، لا الممتلكات.
. الحقيقة الثالثة: اهدم الجدران المحيطة بقلبك.
.عندما كنتُ صغيرًا، ظننتُ أنني قوي. لم أكن أبادر بالاعتذار أبدًا. كنتُ أتردد في البوح بما في قلبي. كنتُ أعتقد أن الرجل إذا رقّ قلبه، سيراه الناس ضعيفًا. نادرًا ما كنتُ أُظهر الحب، ربما خوفًا من أن تنهار صورتي عن القوة.
.كان لي أخ نشأنا معًا، لعبنا في نفس الفناء، جلسنا على نفس الطاولة، تقاسمنا الأفراح والأحزان.. في أحد الأيام، انزعجنا من شيءٍ تافه، اليومبصراحة، لا أتذكر حتى ما كان. ربما مال، ربما جدال، لكن في ذلك الوقت كنتُ متأكدًا من أنني على صواب. قررتُ أن يكون هو أولويتي..
. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات. في كل عيد، كان قلبي يتوق للاتصال، لكن غروري كان يقف عائقًا. كنت أُردد لنفسي أن الوقت ما زال موجودًا ..
.في أحد الأيام، رنّ الهاتف، لكن لم يكن هو المتصل. جاء النبأ بأنه أصيب بجلطة دماغية مفاجئة وفارق الحياة. وقفتُ أمام وجهه الجامد، وشعرتُ أن إصراري على أنني على صواب لا معنى له،كنتُ على صواب، لكنني كنتُ وحيدًا..عشر سنوات من الضحك، عشر سنوات من الأحاديث عشر سنوات من الأعياد، كل ذلك وضعته تحت رحمة غروري. في ذلك اليوم أدركتُ: بعض العلاقات لا يُنقذها المنطق، بل الحب. إن كنتَ تُحب شخصًا، فعبّر عن ذلك اليوم. إن كنتَ مُخطئًا، فاعتذر اليوم. لا ضمانات للغد.
. الحقيقة الرابعة: الخوف وهمٌ زائف
.في الثانية والعشرين من عمري، تمنيتُ أن أصبح كاتبًا. كان لديّ دفترٌ مليءٌ بالأفكار والأحلام، والقصص. لكنني لم أكتب كتابًا قط عن تلك الأحلام والقصص. كنتُ أخشى أن يسخر الناس مني وأن أفشل، وألا يؤخذ كلامي على محمل الجد..اخترتُ الطريق الآمن، وقضيتُ حياتي في تحقيق أحلام الآخرين ..
اليوم، ترتجف يداي. حتى لو أردتُ، الكتابة لا أستطيع الإمساك بالقلم كما ينبغي. ضعفت بصرِي لا يزال ذلك الكتاب كامنًا في داخلي، وربما سيُدفن في صمتٍ معي. بدلًا منه، كتبتُ “أمري” وتحت مراقبتي
. المأساة الحقيقية في الحياة ليست الموت، بل الأحلام التي نقتلها ونحن أحياء.
.ربما تكون المقبرة أغنى مكان في العالم، لأنها تضمّ كل الروايات التي لم تُكتب، والأغاني التي لم تُغنّ،َ والأحلام التي لم تُبدأ.
. لا تُضِف إلى ذلك الكنز الصامت. لا تُؤجّل الرغبة في قلبك. خُذ خطوة. حتى لو تعثرت، على الأقل ستتمكن من قول”لقد حاولت”.
.من الأفضل أن تخطو في النهر مرة واحدة من أن تقف على الشاطئ إلى الأبد تفكر في الأمر. ”
“يا ليت” هي العبارة الأكثر إيلامًا في الشيخوخة، توقظ المرء في سكون الليل.
أصبحت دقات ساعتي الآن أكثر وضوحًا. لقد تخلصت من أعباء القلق والأنانية والخوف. أنا الآن مجرد إنسان عاجز – كما كنت يوم ولدت – خالي الوفاض..
ما زلت على قيد الحياة، لديك يوم آخر، لا تضيعه.
. انظر إلى يديك. حرك أصابعك. اشعر بأنفاسك إنه كله معجزة.
. لا تنتظر حتى تبلغ الرابعة والتسعين لتدرك كم هي الحياة جميلة. اشعر بها الآن.
. أوشكت على إغلاق عيني. آمل أن تجد كلماتي مكانًا في قلبك كالبذرة.
.عِش – ليس من أجلي، بل من أجل الحقيقة. عِش من قلبك. عِش حياتك على أكمل وجه. عِش من أجل أحبائك..
عِش الآن… وداعًا
ملخص:الحياة قصيرة، كأنها طرفة عين. توقف عن انتظارها. الذهب لا يُؤكل، والعلاقات التي تُضحى بها من أجل الأنا لا تعود. لا تدفن أحلامك في مقابر الخوف، عش يومك..




