رأي

مالك طه يكتب: تعبيد شارع المعونة (الامريكية) لعودة الاسلاميين

 

لم تكن الاطاحة بالرئيس عمر البشير أمرا مشابها لما حدث للفريق ابراهيم عبود في اكتوبر١٩٦٤، ولا للمشير جعفر نميري في أبريل ١٩٨٥. العلامة الفارقة التي ميزت الاطاحة بالبشير هو الإسهام القوي للعنصر الخارجي/الاقليمي في ذلك الحدث الكبير.
(2)
رغم ان الحشود الشعبية التي خرجت ضد البشير وحكم الاسلاميين تمثل إرادة معتبرة في الرغبة الكبيرة للتغيير او الاصلاح، لكنها من ناحية اخرى كانت افضل أداة وأسنح فرصة لتحقيق رغبة النافذين الاقليميين في القضاء على ما تبقى من قلاع الاسلاميين التي تهاوت في مصر بالانقلاب وليبيا بالانقسام وتونس بالاضعاف والمغرب بالاحتواء والجزائر بالتغييب.
عندما قام الترابي بالانقلاب الذي وضع البشير على رأسه١٩٨٩ كان يعرف أن محيط السودان الاقليمي دعك من العالم حوله لن يرحب بذلك، فعمد الشيخ إلى إخفاء هوية الانقلاب(حكومة الانقاذ)، وبدلا من ان يستمر في ذلك التخفي تحوّل إلى النقيض واختار الاستعداء، فكانت العشرية الأولى لحكومة الانقاذ ١٩٨٩_١٩٩٩ هي الاسوأ في جلب عداوة الخارج، والأسوأ في سجل حقوق الإنسان والحريات الاساسية (من بين عشريات الانقاذ الثلاث).
(3)
رغبة البشير في التصالح مع محيطه الداخلي والاقليمي والعالمي دفعته للتخلص من الترابي وزمرة من مساعديه، وسرعان ما حصد النتيجة في عشرية الانقاذ الثانية ١٩٩٩_٢٠٠٩ بابرام اتفاقات مع حزب الأمة والحركة الشعبية، وترميم علاقته بمصر والخليج العربي، وملاطفة الولايات المتحدة الامريكية والانخراط معها في حوار عميق لاعادة العلاقات الثنائية الى وضع طبيعي.

بحلول العشرية الثالثة للانقاذ ١٩٩٩_٢٠١٩ كان حكم الاسلاميين قد فقد عنفوانه، وأصبح حزب المؤتمر الوطني الذي يمثلهم حزبا وسطيا عاديا بلا ايدلوجيا، لايختلف في ذلك عن حزب الأمة ولا الاتحادي، لقد تخفف من كل الأثقال الايدلوجية، وأجاب على معظم المطلوبات بـ(نعم)، ولكن تبقى له الإجابة عن سؤال التطبيع الذي كان موضوعا لسنوات أمام طاولة البشير.
هذا السؤال أجاب عليه البرهان بسرعة وبدون تردد بلقاء نتنياهو في كمبالا، في خطوة ظن البرهان أنها كانت تحتاج إلى جرأة لم تتوفر لسابقه، وفي استجابة من البرهان لمطلب كان يتوهم انه سيحقق مصلحة للسودان، كما يحقق أيضا مطالب من اوعزوا له بالخطوة حتى يكون السودان جزءا من المحيط المطبّع.
(4)
خرج الاسلاميون بسقوط نظامهم من دائرة الفعل السياسي، ودخلوا في حالة كمون، وأصبح رصيدهم الجماهيري يتوقف على تقييم تجربتهم في الحكم التي نالت من التجريح والتجني بأكثر مما نالت من النظر الموضوعي والتقدير للمنجزات الضخمة التي تمت على أكثر من صعيد.
هذا الخروج لم يكن بالضبط هو كل ما كان يريده مهندسو الخارج، ولكنهم رغبوا أيضا في وجود مقابل موضوعي يملأ الفراغ الضخم الذي نتج عن الاطاحة بالبشير، وهو ما لم يتحقق على يد الحرية والتغيير لضعفها السياسي وقلة خبرتها.
تم تقوية ضعف الحرية والتغيير بمليشيا الدعم السريع تحت مسمى الاتفاق الاطاري والذي بموجبه شنت المليشيا الحرب في أبريل ٢٠٢٣، كان من ضمن مخططات ذلك التحالف السياسي العسكري تصفية وجود الاسلاميين في الجيش عبر مليشيا الدعم السريع، وتصفيتهم من الفضاء السياسي المدني عبر قوى الحرية والتغيير.
(6)
من المفارقات ان تحالف الحرية والتغيير ومليشيا الدعم السريع الذي يعد اكبر وأخطر تحالف لاستئصال شأفة الاسلاميين، كان أفضل بعث وإحياء لمنظومة الاسلاميين السياسية والاجتماعية التي أصابها الجمود وكادت أن تشيخ.
وعندما توغلت القوات المسلحة وقوات شباب الاسلاميين في مدينة بحري التي عبروا إليها من أم درمان، وضع اولئك الفتية لافتة تحمل اسم(البراء) على شارع المعونة (نسبة إلى المعونة الامريكية)، لقد تعدت رمزية الفعل من مجرد اسم على شارع، إلى الإشارة إلى أن طريق التيار الاسلامي في سودان ما بعد الحرب اصبح سالكا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!