المبعوث الأممي للسودان لعمامرة في حوار : انتظر ترتيب لقاء مع قيادة الدعم السريع والسلام لا يُفرَض

رصد: الشعب
«السلام لا يُفرَض، بل يُصنَع. وإذا لم يصنعه السودانيون، فلن يأتيهم من الخارج»… بهذه العبارة اختار رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، أن يختتم أول حوار موسع يجري منذ تولي المهمة الأممية. بيد أن العبارة ذاتها تصلح أن تكون مدخلاً لفهم فلسفة الرجل في مقاربة واحدة من أعقد حروب المنطقة المتخمة بالأزمات.
لعمامرة الذي يتكئ على خبرة طويلة؛ وزير خارجية ودبلوماسي جزائري، وسبق أن اضطلع بوساطات صعبة في أفريقيا، لا يرى جدوى من استمرار الرهانات الخاطئة، ولا يقبل بمنطق إدارة الحرب كأنها معركة كسر عظم. وفي رأيه، فإن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين يمثل عائقاً كبيراً أمام الحل؛ لأنه ببساطة «يُغذي الأوهام العسكرية ويُطيل أمد المأساة».
في حواره الذي جرى مع «الشرق الأوسط» عبر الفيديو، عقب مشاركته بمؤتمر لندن، وبين رحلاته المكوكية لكل من بورتسودان وأديس أبابا والقاهرة، وجّه لعمامرة رسائل سياسية بدأت من الأطراف السودانية وانتهت بالخارج. من بين تلك الرسائل، تحذيره من مغبة الدعم العسكري الخارجي؛ إذ يرى أنه لا يجلب سوى الوهم، وأن السلام لا يأتي بالتمني، بل بتوافر الإرادة المحلية، وتكامل الجهود الدولية لا تشتتها.
يقول بمرارة: «مرت الذكرى الثانية لاندلاع الحرب، وكنا نتمنى ألا تحل تلك الذكرى دون إنهاء الحرب التي يرزح المدنيون في السودان تحت نيرانها، ولا يمكن القبول أبداً بأن تحل ذكرى ثالثة للحرب».
في زيارته الأخيرة لبورتسودان، التقى المبعوث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان. خرج لعمامرة من اللقاء بانطباع «مشجع»، لكنه لا يخفي أن الطريق ما زالت طويلة. أما التواصل مع قيادة «قوات الدعم السريع»، فهو مستمر في انتظار ترتيب لقاء قريب.
يرى لعمامرة أن واحدة من أخطر الظواهر المرتبطة باستمرار الحرب، ما يصفها بـ«منطق الغلبة»؛ أي الرغبة في الحسم الكامل من دون حساب لتكلفة ذلك على النسيج الوطني. يشير إلى استمرار بعض القوى المحلية بالرهان على عامل الزمن، وتتصرف كما لو أن السلام يمكن تأجيله إلى حين نضوج انتصار كامل، في حين تكمن حقيقة الأمر في أنه «ليس هناك حل عسكري لتلك الحرب» وفقاً للمعطيات.
«السودان يحتاج إلى تسوية سياسية»… يقول لعمامرة: «ما نراه اليوم ليس أكثر من استمرار وهمي لفكرة انتهت منذ زمن، وهي أن الحسم ممكن بالقوة»، فهو يرى أن منطق المصالح يجب أن يتقدم على منطق الثأر، حتى يمكن إنقاذ السودان، ويوضح أن «أكبر التحديات الآن هو الخطر المتزايد بسبب تفاقم الانقسامات في المشهد السوداني، وهو مسار خطير يجب وقفه، وإعادة توجيه الدفة السودانية نحو الوحدة. يجب أن نمضي في طريق الوحدة لا في طرق الانقسام».
منذ توليه مهمته الأممية، حرص لعمامرة على التركيز على التنسيق لا التوسع. يتحدث عن «تكدس الوساطات» في الملف السوداني وكأنه أزمة بحد ذاته.
ولهذا أطلق المجموعة التشاورية لتنسيق المبادرات التي ضمت فاعلين من المنظمات الإقليمية، ومن ضمنها الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والدول التي ترعى مبادرات سلام حول السودان، بهدف خلق توازن دبلوماسي يعيد ترتيب الأولويات، ويحقق وحدة الهدف على درب إنهاء الحرب
اجتمعت المجموعة في القاهرة، ثم جيبوتي، فموريتانيا، وتحضّر لاجتماع رابع في بروكسل بدعوة من الاتحاد الأوروبي. هناك أيضا «التواصل المستمر مع المسؤولين في مصر والسعودية، وأيضاً الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ودول جوار السودان، ودول أخرى كثيرة مهتمة».
ومع ذلك «الأمر ليس بحاجة إلى مزيد من الوسطاء، بل إلى توافق على رؤية واحدة» يقول لعمامرة إن تعدد المسارات سمح لبعض الأطراف السودانية بالرهان على تضارب المواقف الدولية، بل حتى تعطيل بعض المبادرات أملاً في تحقيق مكاسب ظرفية.
هنا، يستحضر قرار مجلس الأمن «2724» الذي كلفه تنسيق الجهود تحت مظلة الأمم المتحدة، ويعتبر أن ترجمة هذا القرار على الأرض تبدأ بتوحيد الصوت الدولي خلف رؤية واقعية للسلام.
حرب لا ينبغي نسيانها
حين يُسأل إن كانت حرب السودان منسية، لا ينكر المبعوث أن الزخم الإعلامي ربما يخفت أحياناً، لكن المأساة مستمرة بكل تفاصيلها: «نتابع كل يوم سقوط الضحايا، خصوصاً في شمال دارفور، والأوضاع المأساوية المتفاقمة في مخيم زمزم، والتي تفطر القلوب».
يتحدث عن ملايين النازحين داخل البلاد واللاجئين خارجها، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، ومخيمات لم تعد تقي من الحر أو البرد، والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين يدفعون حياتهم ثمناً لإيصال المساعدات.
ولفت إلى اهتمام وصفه بـ«الخاص» يوليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للوضع الخطير في السودان «المستند لمعرفته المتعمقة، خصوصاً حين كان يرأس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث كان السودان يفتح أبوابه بكل كرم للاجئين على أراضيه».
«إنها أكبر أزمة إنسانية في العصر الحالي من حيث حجم التهجير الداخلي وعدد اللاجئين». يقول لعمامرة: «نحن نتحدث عن بلد يرزح تحت ضغط السلاح والانقسام والصمت الدولي».
لذلك، يضع المبعوث أولوية بديهية: وقف الحرب أولاً. وضمن هذا الإطار، يرى في «إعلان جدة» خطوة لا تزال صالحة للإنعاش، ويشيد بدور السعودية قائلاً إن «اسم مدينة جدة ارتبط بوثيقة إنسانية يمكن لها أن تؤسس لتوافق مهم، خصوصاً بشأن حماية المدنيين».



