السفير د. إبراهيم البارودي يكتب: رثاء على حريق الوطن

هزني مقال للأخ والزميل الصديق السفير خالد موسى وهو يرثي كتبه ومخطوطاته تحت عنوان (بكاء على حريق الكتب أم اصطلاء على شجون الذاكرة) ووجدت قلمي يهرع ليسطر رثاء حانيا لخالد الأديب في مصابه العصيب.
ومن فرط شدة البكائية التي اختطها يراعه البارع واستفاضته في نعي كتبه واحدا تلو الآخر وما تركه رحيل هذه الكتب عن بيته في نفسه، لم أجد شبيها لحاله إلا حريق مكتبات بغداد الأول على يد المغول وحريقها الثاني على يد “العلوج”. فحرقة الكتب عند المثقف كحرقة الحشى عند الأمهات. ولعل بكائية خالد على كتبه تشبه ما قاله المعري عن البكاء في “رسالة الغفران”.
وقد تعددت أسباب البكاء وضروبه في الأدب العربي بين من بكى عزيزا فارق الدنيا ومن بكى فرسا ميتا مثلما فعلت الندابة مع مهرة أبي زيد الهلالي “الحمرا” ومن يبكي على فراق محبوبه كما قال الشاعر:
أمر على الأبواب من غير حاجة
لعلي أراكم أو أرى من يراكم.
ولكن بكائية خالد فتحت بابا جديدا في أدب البكاء. بكى خالد كتبه واحدا تلو الآخر مستدعيا مناسبات اغتنائها ومهددا مناقب كتابها في شتى ضروب المعرفة والأدب من لدن شيخ المشايخ وحادي العارفين الشيخ عبد المحمود نور الدائم ابن الشيخ العلامة استاذ الإمام المهدي وابن القطب شيخ السمانية جدي لوالدتي الشيخ أحمد الطيب بن البشير راجل أم رحي، مرورا بالمتنبي فالعقاد والطيب صالح وغيرهم لما يربو عن بضعة آلاف من الكتاب والكتب.
ولعل خالد يؤمن بقول العقاد عراب غالب أدباء السودان أن القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة. فمن لا يقرأ لا يعيش في قمم الكبار ولا تغشاه نفحات العلا ويبقى في سفوح العوام وعالم الأقزام. ولأن خالدا فتى معاصر مجايل فقد أصابه داء المجايلة فهي غير أنها حجاب كما يقال فإنها في السودان سحاب كثيف يسد الأفق أمام كل مبدع وكل مجتهد وممتاز.
فأمثال خالد يجسدهم الشاعر الروائي الروسي ليرمنتوف في رائعته بطل من هذا الزمان الرواية التي تحدث عن غربة وشقاء كل من يشق عصا التقليد ويبغي التميز والنبوغ. فهو يشبه تولستوي رائد الأدب الروسي الذي عاش يبحث عن ذاته وذات الإنسان فانقطع للقراءة والكتابة واقترح الحرب والسلام كأروع ما كتب الروائيون وظل مخبوءً بين طيات كتبه لعهد قريب من مماته قبل أن تطبق شهرته الآفاق. ولعلي أكسر قاعدة المجايلة من خلال هذه المساجلة و أسوق في حق خالد شهادة من رأى وسمع وقرأ لخالد موسى بالتميز والتفرد ولا غرو فإنه المولع بالقراءة منذ بواكير نشأته والكاتب الكلام والناثر العلام وليته فعل كما فعل الشاعر المجيد أبو آمنة حامد صاحب “وشوشني العبير” عندما قال هربت من الدبلوماسية بشعري لكنا كسبنا كاتبا متفرغا يملآ الآفاق علما ونورا.
فرثائي لخالد أن الكتب المحروقة في داره هي جزء من حريق التهم وطنا بأكمله وابتلع دورا بما فيها من بدائع وروائع وسير وذكريات غاليات.
فإني أرثي كتب خالد وتراث وطن وإرث أهل وشقاء أسر وفلذات أكباد وصرخات أيتام وآهات أرامل وحسرات أمة بأسرها.
نيامي في ١٨ أغسطس ٢٠٢٥.




