السفير د. إبراهيم البارودي يكتب: دبلوماسية الإعمار.

تدور دوائر الزمان على الأمم ما بين محن ومنح وشدة ورخاء وعسر ويسر وتتعدد أشكال المحن والبلاء على الدول كما على البشر. فالتاريخ الإنساني منذ نشأته يحدِّث عن كيانات سادت وأخرى بادت وعن شعوب زلزلت وأخرى أبيدت وعن قصور هدمت ومدائن دمرت. وحتى في ماضينا القريب وحاضرنا المعاش تعوث آلة الهلاك والإبادة حولنا في عالم جُبل على سفك الدماء وهدم العمار بلا وازع ولا مانع ولا حتى ضمير أممي جامع.
ما حدث في السودان بالرغم من فداحته وتفرد وتنوع أساليبه الغريبة والدخيلة على نهج الخصام والنزاع في عرف الأمة السودانية ذات الأصول والقيم في حلمها ومغاضبتها، يجيئ امتدادا لتقلبات حال الأمم وانقباضاتها. وهنا يكمن جوهر الاختبار وتتمايز إرادات الأمم والشعوب وتنجلي غشاوات الوهم وينكشف الغطاء عن كل مكنونات الشعوب وخصائص الأمم.
السودان الوطن الذي تغنينا بحبه ونظمنا في عشقه أجمل الأشعار وأقسمنا أن نتحدى الموت عند المحن قد حان وقت الوفاء بكل ما وعدناه لنمد الأيادي نقيله من عثرته. وبما أن العبء كبير والحمل ثقيل فإني أحدث في هذه الزاوية عن الدبلوماسية وما يمكن أن تقدمه في مجال إعادة إعمار السودان. فتجارب الأمم التي تعرضت لعثرات قبلنا لم تستغن عن التواصل والتنادي مع دول العالم ومؤسساته الدولية والإقليمية.
فمن كان يظن أن أوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية كان لها أن تنهض من جديد لولا Marchall Plan الذي قدمته أمريكا بالرغم من أنها مكنت عبر هذا البرنامج لهيمنتها الاقتصادية فيما عرف ب Bretton Woods System الذي أسس المؤسسات المالية المعروفة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وساد منذ حينها الدولار بديلا للذهب معيارًا للتبادلات المالية والتجارية.
فحجم الدمار الذي لحق ببلادنا يتطلب الدخول في تفاهمات دولية تمكن السودان من إبرام عقود تجارية وشراكات اقتصادية تفتح المجال لتفعيل وتعظيم العوائد من مقدّرات السودان الاقتصادية مقابل استجلاب الاستثمارات والقروض الميسرة لإنجاز عملية الإعمار.
والعالم يعرف الكثير من الصيغ المجربة والناجحة في مثل هذه الشراكات مثل صيغة ال BOT القاضية بأن يقوم الطرف الخارجي ببناء المشروعات وإدارتها لفترة زمنية يتفق عليها ثم تؤول ملكية المشروع للدولة. وهذا يجري على مشروعات ضرورية للسودان في الوقت الراهن مثل المطارات والطرق والسكك الحديدية ومحطات الكهرباء وغيرها.
كذلك توجد صيغة الشراكة بين الموسسات والشركات المحلية والخارجية وتقوم على أساس Win Win Situation بما تعود منفعته على الطرفين.
هذا بالإضافة إلى تفعيل دور القطاع الخاص في الصادر وفتح الأسواق العالمية أمام الصادرات السودانية عبر إتفاقيات اقتصادية مع الدول تضمن ثبات تدفق صادرات السودان وفق معايير وأسس ثابتة ومؤمنة.
كما ينبغي تفعيل الدور الاقتصادي للسودان بالاستفادة من الفرص والمميزات التي توفرها له عضويته في المنظمات الإقليمية مثل الكوميسا والساحل والصحراء وغيرها لضمان انسياب المنتجات السودانية للأسواق الخارجية وتحقيق أقصى درجات الفائدة منها.
من المؤكد أن دور الدبلوماسية السودانية في إعادة الإعمار مرتبط ارتباطا عضويا بمكونات داخلية يستوجب التنسيق والتعاون معها بشكل وثيق من أجل إحداث اختراق ونجاح حقيقي في جلب أكبر قدر من السند والعون لعملية إعادة إعمار الوطن.
* سفير السودان لدى النيجر



