رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: كباشي.. قبل الحرب بـ (4) أيام

 

0 في مساء رمضاني كئيب يوم 11 أبريل 2023 وقبيل أذان المغرب.. كان حي المطار في الخرطوم يبدو كأنه يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل أن تشعل المليشيا الحرب.. لم يكن المشهد عادياً ولم تكن المدينة كما عهدناها كان هناك شئ ما يكبر في الظل ويستعد للظهور.. سيارات “البوكس” من طراز (ساند ستورم) كانت تملأ المكان.. مصطفة قرب مباني جهاز المخابرات وعلى امتداد الشوارع المحيطة.. كانت إشارات واضحة لشئ أكبر قادم ومع اقترابنا من مقر إقامة الباغي الشقي حميدتي في الحي الحكومي.. بدا جلياً أن الخرطوم قد تحولت إلى ثكنة عسكرية.
0 انتشرت عناصر الجنجويد بشكل غير مسبوق وتجمعوا حول موائد الإفطار بأعداد هائلة.. كأنهم أسراب ذباب تحيط بأكوام القمامة كان المشهد مرعباً عربات مدرعة تظهر لأول مرة في الحي الهادئ.. ومنازل مجاورة هدمت جدرانها لتتحول إلى ساحات عسكرية مكتظة بسيارات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة الثقيلة.. كل ما حولنا كان يؤكد أن قرار الحرب قد اتخذ بالفعل.. اقترب بعض المسلحين نحونا، وأشاروا إلينا بالنزول لتناول الافطار… كان ذلك آخر ما تبقى من مظهر الكرمالزائف يا لهم من أوغاد ورمم.
0 كنا في طريقنا لتلبية دعوة الإفطار من عضو السيادي شمس الدين كباشي وبرفقتي رئيس مسار اتفاق الشرق خالد شاويش ومفاوض مسار الشرق أسامة سعيد.. والشاب النشط في الأمانة العامة لمجلس السيادة عبد الرحمن محمد عبد الرحمن.. وقد غبت لفترة عن زيارة الجنرال كباشي وبعض الأصدقاء في الحي مثل مبارك أردول.. الأمر الذي جعلني أشعر بالقلق بسبب الحشود والتحركات العسكرية المريبة التي شاهدتها.
0 واصلنا التقدم بسيارتين وسط حشود توحي بأن الحرب على وشك الاندلاع.. تجاوزنا منزل حميدتي ثم وصلنا إلى نقطة مهمة تقود إلى مواقع استراتيجية بيت الضيافة غرباً مقر إقامة الرئيس.. والمطار شرقاً إضافة إلى منازل كبار القادة العسكريين ومن بينهم كباشي ورئيس الاستخبارات الفريق صبير.. ومع ارتفاع أذان المغرب دخلنا إلى مقر كباشي فوجدناه جالساً وحيداً في الحديقة أمام مائدة الإفطار.. في هدوءٍ لا يعكس ما يجري في الخارج من توتر وحشود.
0 دار نقاش بعد الإفطار والصلاة استمر نحو ثلاث ساعات حول الاتفاق الإطاري وقحت.. في بداية الجلسة بادر عبد الرحمن بجمع الهواتف بما فيها هاتفي كباشي.. وأبعدها عن المكان إذ كانت المخاوف من التنصت حاضرة في تلك الأيام وللجدران آذان.. تحدث أسامة سعيد بلهجة وقحة مع كباشي قائلاً له: “أنت ليه تعطل الاتفاق الإطاري؟”.. رد كباشي بهدوء موضحاً أنه ليس الجهة المسؤولة عن التوقيع ولا صاحب القرار فيه.. لكن أسامة واصل حديثه بنبرة أكثر وقاحة: “الأمر بيدك أنت والبقية موافقين”
0 تدخلت حينها مطالباً بضرورة مخاطبة الجنرال بهدوء واحترام.. كما شدد عبد الرحمن على نفس المعنى بشكل أكثر صراحة “اتحدث بأدب مع سعاتو”.. غير أن كباشي تعامل مع الموقف بحكمة قائلاً: “الجميع يتحدثون بهذا الأسلوب، ومع ذلك كل يوم بجوني”.. كان شاويش يظهر عليه التوتر بشكل غير معتاد.. بينما كان سعيد يميل إلى الصراخ ويتحدث بلغة مقلقة توحي باحتمالات التصعيد والحرب مثل لغة الجنجويدي القحاتي بابكر فيصل “اما الإطاري أو الحرب”.. اقترح عبد الرحمن اعتقال القحاته قبل ان يصفهم بالمجانين.
0 تحدث كباشي بنبرة حاسمة قائلاً: “الجيش دا واحد ومافي زول كبير على الجيش.. ونحن ما بنساوم على الجيش ولا نقحم السياسة فية.. ومافي زول مهما جمع من قوة بِلوي يد الجيش ويتحكم فيه”.. وكان انضم إلينا الرجل المحترم اللواء أبوبكر فقيري.. وقدم مرافعة متزنة ودفاعاً هادئاً عن المؤسسة العسكرية.. انتهى اللقاء بعد عدة ساعات، وودعنا كباشي على أمل اللقاء به مجدداً بعد ثلاثة أيام خلال الإفطار الذي نظمه في نادي النيل.
0 كانت الحشود ما تزال موجودة وازدادت كثافة.. تواصلت مع شاب قريب من الجنجويد وسألته عن سبب الحشود فأخبرني أن عدد أفراد حراسة حميدتي ارتفع من نحو (600) إلى حوالي (3500) فرد.. جاءت المعلومات لتؤكد ما كان يبدو واضحاً للعيان ولا يحتاج إلى كثير من التفسير.. من حيث وجود تعزيزات كبيرة وتدفق آلاف المقاتلين بجوار القيادة.
0 يوم الجمعة قبل ساعات من الحرب كانت الأوضاع في نادي النيل هادئة في ظاهرها وكأن الأمور تسير بشكل طبيعي.. في ذلك اليوم كان شاويش قد غادر البلاد برفقة مستشار الرئيس الجنوبي توت قلوك.. التقيت ياسر العطا الذي حاول طمأنتي قائلاً: “نحن الجيش ما بنلعب فيهو”.. وبعدها بقليل سألت الرئيس البرهان الذي كان قد أدى صلاة المغرب أمامي في الصفوف الوسطى، عن الأوضاع فأجاب: “الأمور طيبة إن شاء الله”
0 في ذلك اليوم كان كل السودان تقريباً حاضراً باستثناء أبو لولو الأكبر وشقيقه المجرم عبد الرحيم اللذين كانا على ما يبدو يجهزان للغدر بالقوات المسلحة، قبل أن تنكشف الأمور فجر السبت.. رغم ان كل المؤشرات كانت واضحة.
0 بالمناسبة عندما وصلنا إلى كباشي في مقر إقامته كان يجلس وحده منتظراً حول مائدة الإفطار في الحديقة.. استقبلنا بروح مرحة ومازحني قائلاً: :”الجابك شنو مع الملكية الما منضبطين ديل.. يكونوا ذاتو ما صايمين”.. جلست إلى يساره وترددت ثم سألته: “انت يا سعادتك مع الملكية ولا مع الأعداد الكبيرة لناس الدعم السريع البرة دي؟”.. ثم أشرت إلى هاتفي : “لو جدعتو ما بقع في الأرض”.. عندها اختفت ابتسامته وأجاب بجدية: “دي قصة طويلة والموضوع دا فِترنا من الكلام فيهو”.. ثم دعانا إلى تناول وجبة الإفطار.
0 ومهما يكن من أمر.. هل فكرتم يوماً في الأسباب التي دفعت المليشيا وقحت إلى الإقدام على انقلاب فاشل.. تلاه إشعالهم للحرب ؟

الأربعاء 15 ابريل 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!