رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: ضجيج كوب “العرديب”

 

0 بغض النظر عن ما إذا كان مشهد شرب الرئيس البرهان لكوب من عصير العرديب.. وسط الحشود بالأمس عفوياً أم معداً له مسبقاً.. تطل أسئلة بلا إجابات، من أين جاء الكوب؟ وكيف وصل بهذه السرعة اللافتة عقب هتاف متزامن من صوتين مختلفين “العرديب.. العرديب” ؟.. ثم كيف يسلم مباشرة إلى الرئيس عبر أحد ضباط الحرس الرئاسي ؟.
0 بغض النظر عن الثغرة الأمنية الواضحة في هذا التصرف.. فإن هذا النوع من الاستعراض لا يقدم ولا يؤخر.. بل قد يفتح باباً خطيراً إذ يغري المليشيا أو غيرها بمحاولات استهداف مستقبلية.. تحت ذرائع و “عفوية مصطنعة” كأن يحلف شخص مجهول على الرئيس أن يتقاسم معه “ساندوتش طعمية” .. ان تأمين الرئيس ليس مساحة للمجاملة ولا للمسرح السياسي الساذج لعرض الاعمال البائسة.
0 إن ما يثير الاستغراب حقاً ليس المشهد ذاته.. بل الترويج المكثف له وكأنه حدث استثنائي غير مسبوق في السودان.. فالرئيس البرهان – كما يعلم الجميع – اعتاد شرب الشاي وتناول إفطار رمضان وأداء الصلوات وسط المواطنين وفي الأماكن العامة.. وهو مشهد أكثر دلالة وأعمق معنى.. بل إن ما يميز رؤساء السودان تاريخياً عن كثير من قادة العالم.. هو حضورهم المباشر في سرادق العزاء والافراح وأماكن التجمعات قبل عامة الناس لا بعدها.
0 وبالتالي فإن تصوير هذا المشهد بوصفه دليلاً فريداً على التحام القيادة بالشعب بدأ مبالغاً فيه إلى حد الإساءة.. الأسوأ من ذلك أن هذا الترويج السطحي طغى على أهم تصريحات أدلى بها البرهان منذ 2019 وحتى اليوم تجاه قحت.. للمرة الأولى ظهر الرئيس بوضوح وصراحة غير مسبوقين.. وسفه خطابهم، وفضح عمالتهم أمام الرأي العام، وحرر عملياً شهادة وفاتهم السياسية، بتأكيدات قاطعة أنه لا عودة لهم إلى المشهد.. بل لن تطأ اقدامهم السودان.. واطلق عليهم وصفاً يشبههم “متسولين” ولذلك “عوى” احدهم بتغريدة تافهة.
0 كان ذلك اقوى خطاب سياسي للبرهان، لكنه ضاع وسط ضجيج “العرديب”.. إن مجموعة تتقرب من الرئيس وممن هم حوله تفتقر للخيال السياسي.. والعين الثالثة في نظرتها للمشهد تطرح أفكاراً ضحلة وفطيرة.. فعلى النقيض تماماً، فإن الاحتفاء المفرط بمثل هذه المقاطع ينتقص من مكانة الرئيس ويبعث رسالة خاطئة مفادها أنه يقترب من المواطن لأول مرة.
0 الذين يقفون خلف هذه الحملات يظنون من السذاجة أنهم يصنعون شعبية للرئيس.. بينما الحقيقة أن شعبية البرهان ليست موضع شك طالما أنه يرتدي زي القوات المسلحة التي تدافع عن الشعب في مواجهة عدوان الجنجويد.. وخلال أربعة أشهر وتسعة أيام قضاها البرهان في القيادة العامة منذ اندلاع الحرب وحتى خروجه من الخرطوم لأول مرة.. ظلت شعبيته في تصاعد مستمر، رغم الدم والدموع والنزوح والاغتصاب.
0 لأن كل وطني وعاقل مؤمن بأنه “ما في مليشيا بتهزم دولة”.. لأن البرهان – بوصفه ساس الجيش – لم يكن محتاجاً حينها إلى سماسرة محتوى.. ولا لحملات علاقات عامة وسماسرة يجوبون العواصم العربية والأوروبية.. ولا إلى غرف فاشلة تروج لأعمال فطيرة وباهتة.. ما يزيد من شعبية البرهان ليس كوب شاي ولا عصير.. ولا صورة مواساة نازحة بل إنجازات ملموسة على الأرض.
0 تقدم حقيقي للقوات المسلحة وفرض هيبة الدولة.. تحسن ملموس في الأمن والاستقرار، معالجة الأوضاع المعيشية، خفض الغلاء، وتوفير الوقود والكهرباء والخبز.. خطاب صادق، مباشر، وقريب من الشارع.. الابتعاد عن المحاباة والفساد، وابعاد الاشقاء عن الشبهات.. ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم.
0 وكذلك إظهار جدية حقيقية في الإصلاح، إشراك القوى السياسية، إقامة برلمان يراقب أداء الحكومة.. تحسين العلاقات الخارجية، وضبط أداء السفراء، وجذب دعم اقتصادي وسياسي.. ينعكس مباشرة على حياة المواطنين داخل السودان.. كما لا يقل أهمية الاهتمام بالمتضررين من الحرب، دعم النازحين.. إطلاق برامج العودة الطوعية وإعادة الإعمار، والسعي لتعويض المتضررين.
0 وفي المقابل فإن عوامل تآكل الثقة في القيادة معروفة وواضحة، من بينها استمرار الحرب دون أفق واضح للحسم أو المعالجة .. تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات،غياب رؤية متكاملة للانتقال والاستقرار.. القرارات المتناقضة أو المتأخرة، والتردد أو التراجع.. الاكتفاء بالمؤسسة العسكرية دون شراكة مدنية حقيقية.
0 فقدان الدعم الإقليمي والدولي، إذ إن العزلة الخارجية تنعكس مباشرة على الداخل والاقتصاد.. تراكم انعدام الثقة، حتى تصبح القرارات الصحيحة موضع شك.. والأخطر إحساس المواطن بأن معاناته ليست في صدارة اهتمام القيادة، ولا تقابل بالجدية المطلوبة.
0 ومهما يكن من امر.. الدولة لا تدار بالصور ولا تبنى “بالاكواب”.. بل بالفعل والصدق والقرار الشجاع.

السبت 31 يناير 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!