رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: حكومة بكماء !!

 

0 أعتقد أن هناك إشكالاً حقيقياً في فهم طبيعة ومهام الناطق الرسمي باسم الحكومة.. كثيرون لا يدركون أن النموذج الأمريكي – على سبيل المثال – لا يقوم على وجود ناطق رسمي واحد باسم الحكومة مجتمعة.. بل لكل مؤسسة متحدثها الرسمي، وأبرزهم بجوار الرئيس “السكرتير الصحفي للبيت الأبيض”.. كذلك تمتلك وزارة الخارجية والدفاع وغيرهما ناطقين رسميين يقدمون التوضيحات الإعلامية.
0 المشكلة تكمن في استيعاب مفهوم هذه الوظيفة عند تقييم تجربة وزير الثقافة والاعلام والسياحة خالد الإعيسر.. ورغم التقدير لجهوده، إلا أن عمله ظل اجتهاداً فردياً بلا إطار مؤسسي واضح.. ويبدو أن هذه السمة – العمل الفردي – أصبحت سائدة حتى في عهد الإنقاذ، حيث لم يُستوعب دور الناطق الرسمي كما ينبغي.. وكان الأمر يختزل في تكليف سفير من الخارجية وإلحاقه بوزارة الإعلام دون خطة أو محددات واضحة.. فيجتهد البعض “قدر قُدرتو” كما فعل الإعيسر.. أو يظل مقعده شاغراً وهو موجود بلا أثر .
0 لم تُرتب مؤسسة الناطق الرسمي إلا عند قدوم د. عبد الماجد هارون – يا له من مسؤول مبدع – وكيلاً للإعلام.. حيث أضيفت إدارة خامسة (الناطق الرسمي) إلى الهيكل، وشكلوا فريق عمل كبير ضم خبراء ومستشارين.. منهم مستشار كامل الحالي محمد محمد خير (لا اعتقد ادرج هذة الوظيفة في سيرته الذاتية) – هذا حال قدم سيرة وتمعنها كامل والحال كذلك بالنسبة لمصلح نصار.
0 وقد قامت الإدارة وقتها على أربعة اعمدة أساسية.. الخطاب الرسمي للدولة ويشمل محاوره ومصطلحاته وتنسيق أدوار الناطقين في المؤسسات المختلفة.. ثانياً، الرواية الرسمية بحيث تتوحد أرقام ومعلومات الدولة في مواجهة الأحداث (مثل تقدير خسائر تدمير المليشيا لمصفاة الجيلي).. لو تم اعلان حجم الخسائر بالأرقام.. كان لزاماً على كل مؤسسات الدولة وحتى السفارات بالخارج التعامل مع الرقم المعلن.
0 ثالثًا: الاستعانة بخبراء متخصصين في ملفات محددة، مع تحديث دوري للمعلومات.. وهو ما يضمن وجود عناصر تمتلك المعرفة الدقيقة والقدرة على الإقناع.. اخيراً إصدار بيانات موحدة تتضمن الحقائق والمعلومات الأساسية.. يتم تزويد المؤسسات والأحزاب ووسائل الإعلام بها.. فعلى سبيل المثال، في مناسبة “عيد الجيش” التي صادفت قبل أيام.. يتم إعداد ملف معلومات متكامل حول الحدث وتوزيعه على مختلف المؤسسات والأحزاب والصحافة.. بحيث تتمكن كل جهة من الاستفادة منه وانتقاء ما يتناسب مع خطابها أو تغطيتها الإعلامية
0 لكن اليوم لا يوجد تدفق منظم للمعلومات.. وتحول المشهد إلى دوائر من المنتفعين والمطبلين بلا علاقة حقيقية بالصحافة.. بعضهم فقد وظيفته في حقبة الانقاذ.. وأخرين وآخريات وجدوا / وجدن في الإعلام وسيلة للتقرب من السلطة ورجال المال.. وتسللوا الى الصحافة الالكترونية والقنوات وذلك لأن الصحافة مهنة بلا اسوار كما يقول الحبيب ضياء الدين بلال.. كل من “هب ودب” أسس موقعاً الكترونياً وقال انه رئيس تحرير.
0 كتابات فطيرة وفجة وجلها مدح بالباطل.. ومواد تحمل مسمى تقارير صحفية وهى تافهة.. ونتيجة لذلك تراجعت قيمة العمل الصحفي الرصين وغابت التقارير المهنية التي عُرف بها لينا يعقوب، دره قمبو، عمرو شعبان، محمد عبد العزيز، فتح الرحمن شبارقة وطلال اسماعيل وغيرهم.. وغابت تحقيقات هويدا حمزه وانعام الطيب وهبه عبد العظيم.
0 إن المعلومة الصحيحة هي الركيزة الأولى لبناء الرواية الحكومية وإقناع الرأي العام.. فغيابها يترك فراغاً تملؤه الاجتهادات والاكاذيب والكتابات المرتبكة.. مثل الذي حدث عقب لقاء سويسرا.. لذلك فالحكومة مطالبه بتثبيت المصطلحات والتعابير الرسمية وتوحيدها وتسويقها.. بدلاً من التناقض في توصيف مليشيا أولاد دقلو بين “متمردة” و”إرهابية” و”الجنجويد القتلة”، كما يقول ياسر العطا.
0 كاتب السطور لا يذكر كبير المجرمين حميدتي الا ويصبغ عليه صفة “الباغي الشقي”.. مع التزام صارم بنشر صوره القديمة وشقيقه المجرم عبد الرحيم بالكدمول.. ويعجبني الحبيب عادل الباز الذي يطلق على المليشيا “الرمم”.. وكذلك عزيزنا د. عمر كابو الذي يرميهم باقذع الاوصاف.. حتى مصطلح حرب الكرامة ضعيف بحجم جرائم الحرب الوحشية والانتهاكات التي ارتكبت.
0 التجارب الدولية تُثبت أهمية هذا الأمر.. أعجبتني كثيراً شجاعة الموقف الذي أبداه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال القمة الخليجية – الأمريكية.. التي استضافتها الرياض في مايو الماضي وابدى موقفاً لافتاً، جسد يقظته وحسه السياسي المسؤول.. فقد بادر إلى تنبيه أمير دولة الكويت مشعل الصباح ، بعد وصفه في كلمته “الحوثيين” بـ”السلطات المعنية” خلال خطابه.. ولحرص بن سلمان على دقة التعبير.. طلب تعديل العبارة، حتى لايُساء فهمها وهو ما استجاب له أمير الكويت على الفور.. موضحاً أنه كان يقصد “السلطات غير الشرعية” في اليمن، ومعبراً عن شكره لولي العهد على هذا التنبيه.
0 الحكومة السودانية كثيراً ما تتأخر في الرد وتجد نفسها محاصَرة بالنفي والتوضيح.. بينما كان يمكنها استباق الأحداث وتثبيت روايتها.. مثال ذلك زيارة المبعوث الأممي رضوان نويصر إلى بورتسودان مؤخراً.. حيث سيقدم تقريره في مارس 2026، والحكومة ربما تعتبر الموعد بعيداً.. لكنها إن لم تتحرك منذ الآن لتزويد الرأي العام والجهات الدولية بالحقائق.. فستجد نفسها لاحقاً في موقف ضعيف ولن يسمعها احد.
0 كما أن تعامل الحكومة مع السياسيين المرتبطين بالمليشيا ضعيف.. إذ سمحت لهم بالترويج لشعارات مضللة مثل “صمود” و”تأسيس”.. بينما هم في حقيقة الأمر قحاتة عراة امام الشعب السوداني.. يتزاحمون امام باب الباغي الشقي حميدتي ويسابقهم في الوصول اليه الواثق البرير وحرمه الجنجويدية.
0 ومهما يكن من امر.. إن لم تنتبه الحكومة وتبني مؤسسة قوية للناطق الرسمي.. فسوف تظل تدور في فلك السماسرة والمطبلين.. وقد وصل الحال ببعضهم إلى التجرؤ على إطلاق لقب الكاهن، على البرهان.. بينما هو الرئيس وهذا يكفي.

الخميس 21 اغسطس 2025
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!