أسامه عبد الماجد يكتب: بيننا جنجويد !!

0 من بين عشرات التصريحات التي أثارت الجدل طوال العامين الماضيين.. ظل تصريح عضو مجلس السيادة ياسر العطا الأكثر تداولاً وإثارة للنقاش حيث فتح الباب على مصراعيه وكشف ما يخفى خلف جدران بعض مؤسسات الدولة.. أكد العطا أن عناصر من الجنجويد والقحاتة تمكنوا من التسلل إلى مفاصل الدولة.. وأن وجودهم أصبح يعيق عمل المؤسسات.. ولم يكتف بالإشارة بل سمى صراحة.. ديوان النائب العام، بنك السودان المركزي، وزارة الثقافة والإعلام والسلطة القضائية.. قبل أن يطلق عبارته التي أحدثت ضجة.. (بنك السودان أصبح بنك آل دقلو المركزي) .
0 تصريح العطا يقودنا إلى حادثة تكاد تكون أقرب للخيال.. ظلت حبيسة أروقة البنك المركزي منذ ما قبل اندلاع الحرب.. ولم تخرج للعلن إلا قبل نحو عامين.. حيث وصل إلى قيادة البنك تسجيلاً صوتياً بالغ الخطورة منسوب لموظف سنطلق عليه اسماً حركياً (الشوان).. حوى التسجيل على تسريب معلومات دقيقة وحساسة للغاية تتعلق بحركة النقد الأجنبي والاحتياطي منه .. وهي معلومات لا يفترض أن تكون متاحة إلا لمحافظ البنك ونائبيه.. وبالطبع الإدارة العامة للنقد الأجنبي إضافة إلى الرئيس.
0 وتعود أحداث القصة إلى الفترة التي سبقت الحرب حين كان الباغي الشقي حميدتي يشغل نائب رئيس السيادي.. كانت قيادة البنك تعيش في حيرة من أمرها إذ كانت معلومات دقيقة عن عمليات صرف العملات الأجنبية تصل إلى حميدتي بعد وقت وجيز من تنفيذها داخل البنك.. مما أثار شكوكاً حول مصدر هذا التسريب ومن يقف خلفه !!.
0 لذلك وخلال فترة الحرب وبعد ضبط التسجيل.. والتحقق من صحته والتأكد من أنه كان موجهاً إلى حميدتي.. تحرك المحافظ السابق بصورة عاجلة فأصدر قراراً بإيقاف (الشوان) عن العمل ووقف صرف راتبه.. كما شكل لجنة تحقيق داخلية التزاماً بمسؤولياته الوظيفية.. وحرصاً على حماية أسرار الدولة المالية.
0 لكن المفاجآت لم تنته هنا فعندما مثل (الشوان) أمام لجنة التحقيق فاجأهم أنه جرى فتح بلاغ جنائي في مواجهته.. مما يمنع إدارة البنك من إجراء تحقيق إداري بالتوازي مع التحقيق الجنائي.. على الرغم من ذلك واصل المحافظ السابق المشهود له بالحزم والدقة موقفه دون تراجع.. وطلب رأياً من الإدارة القانونية بالبنك.
0 لكن الفتوى جاءت مؤيدة لما ذهب إليه (الشوان) لتضطر الإدارة لتعليق الإجراءات بانتظار نتيجة التحقيقات الجنائية.. التي سعينا طيلة الفترة الماضية لمعرفة تفاصيلها ولم نصل الى نتيجة.. على كل ٍ ظل الملف معلقاً بالبنك ومحيراً ما اذا كانت حالة (الشوان) فردية.. أم هي علامة على اختراق لهذه المؤسسة التي يشرف عليها الرئيس البرهان شخصياَ ؟.
0 ظل (الشوان) موقوفاً ومحروماً من راتبه نحو عامين.. وانشغلت قيادة البنك بتداعيات الحرب والأزمات الاقتصادية المتراكمة.. كما أن المحافظ السابق وفي ظروف غامضة أقيل بعد ذلك بوقت وجيز قبل أن يكمل السير في اجراءات التحقيق والمحاسبة.. وما إن تولت المحافظ الجديدة مهام منصبها حتى عاد الملف إلى الواجهة بسرعة مذهلة.. في مشهد أثار دهشة العاملين بالبنك لأن ما حدث كان صاعقة بكل معنى الكلمة.
0 بدلاً من حسم الملف أو إعلان نتائج التحقيقات.. فجرت المحافظ الجديدة خمسة قنابل بشأن (الشوان).. والتي لا تصدق خاصة في ظل حساسية الاتهامات التي ارتبطت بالقضية.. حيث أعيد إلى عمله فوراً وصرفت له جميع مستحقاته المالية بأثر رجعي كأن إيقافه لم يكن.. ثم صدر قرار بترقيته لمنصب مدير إدارة.. وأصبح عضواً بمجلس ادارة مؤسسة ضخمة تتبع للمركزي.. والمفاجأة الأكبر أن السيدة المحافظ اصطحبته معها – وحده – بعد أسبوع واحد فقط في زيارة رسمية إلى إحدى الدول الخليجية.
0 لا أحد يعلم على وجه اليقين ما الذي استجد فجأة في ملف (الشوان) حتى تنقلب الأمور بهذا الشكل.. وأشير هنا إلى نقطة فاتني ذكرها وهي أنه قبل اندلاع الحرب أُجريت تنقلات داخلية في البنك المركزي.. شملت (الشوان) إلا أن قرار نقله ألغي بعد فترة وجيزة وذلك خلال فترة المحافظ حسين جنقول.. ومن المعلوم أن قرارات البنك في تلك المرحلة كانت تخضع لتأثيرات معروفة من خارج أسوار البنك.. لذلك فإن الواجب يقتضي إخضاع كل ما جرى داخل بنك السودان للمراجعة والتدقيق.. وأن تكون كل خطوة وقرار محل مساءلة ومحاسبة بما يضمن صون المؤسسات.
0 في الوقت الذي تخوض فيه البلاد معركة الكرامة وتواجه مليشيا أولاد دقلو التي لا تزال جرائمها ماثلة في الأذهان.. لا مجال للمجاملات أو المساومات. فهذه مرحلة تستوجب تنقية الصفوف وكشف الحقائق.. والتمييز بين من وقف مع الوطن ومن اصطف ضده.. إن التغيير المفاجئ في هذا الملف وما صاحبه من قرارات استثنائية مريبة..كما ان الصيغة التي تمت بها المعالجة تبعث برسائل مشفرة لجهات خارجية.. كل ذلك يدفعنا للمطالبة بتوضيح رسمي يبين الأسس القانونية والإدارية التي استندت إليها تلك الإجراءات.. ومن ثم إعمال المحاسبة وإعلاء مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى.. خاصة وأن القضية تمس الأمن القومي بصورة مباشرة.
0 ومهما يكن من أمر .. لا يعقل أن ملفاً بهذا القدر من الخطورة يطوى وكذلك يُكافأ صاحبه !!.. ولذلك سنظل في رحلة تقصي عن البنك حول ملفات آخرى أخطر .
الأربعاء 8 يوليو 2026
osaamaaa440@gmail.com




