أسامه عبد الماجد يكتب: الوقود.. “حكومة غلبها التسوي”

0 ينطبق عنوان هذا المقال تماماً على واقع الحال فالحكومة عاجزة عن الاتفاق على سياسة موحدة في ملف الوقود.. كل يوم قرار وتوجيهات متناقضة بصورة تثير الحيرة ولا تقدم حلولاً.. في 11 يونيو الجاري ظهر عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر في ساحة ملف الوقود.. ترأس اجتماعاً خصص لمناقشة توفير المشتقات البترولية وكبح جماح سعر الصرف.. شارك فيه وكيل وزارة الطاقة مدير الإمدادات وممثل جهاز المخابرات بالوزارة.. وخلاله وجهت انتقادات وإنذارات لبعض الشركات التي لم تلتزم بتعهداتها تجاه الوزارة بشأن تفريغ شحنات الوقود.. واتهامها بالأسهام في حدوث أزمات صفوف ونقص في الإمدادات خلال الفترة الأخيرة.
0 أعلن وكيل الطاقة عن تفعيل “لجنة التركيبة التسعيرية” بمشاركة وزارات الطاقة والمالية.. بنك السودان والأمن الاقتصادي وجهات أخرى بهدف ضبط أسعار المنتجات البترولية وتوحيدها.. ومنع الفوضى في الأسواق غير أن هذه اللجنة ظلت مجهولة بالنسبة لكثيرين.. إذ لم يسمع بها معظم المتابعين أو العاملين في القطاع.
0 في اليوم التالي مباشرة 12 يونيو اصابت الغيرة رئيس الوزراء وجن جنونه فدعا إلى اجتماع مماثل.. ضم الجهات ذاتها بالإضافة إلى عدد من الوزراء وانتهى الاجتماع إلى قرار يقضي بدخول الحكومة مباشرة في عمليات استيراد المشتقات البترولية.. بحجة ضبط السوق والسيطرة على سعر الصرف.. مع تكليف وزارات المالية والطاقة والبنك المركزي والأجهزة المختصة بتنفيذ القرار فوراً
0 لكن المفاجأة جاءت في اليوم الثالث 13 يونيو عندما ترددت معلومات عن اجتماع عقده الرئيس البرهان مع محافظ بنك السودان المركزي.. انتهى إلى اشتراط إيداع (200) كيلوغرام من الذهب عيار 21 كضمان عيني للحصول على شهادة عدم ممانعة لاستيراد الوقود.. هل فهمت شيئاً عزيزي القارئ!!.. حكومة تتحدث بثلاثة السن، جابر منح الشركات الخاصة مساحة للحركة بينما جاء قرار رئيس الوزراء ليعيد الحكومة إلى واجهة الاستيراد المباشر.. ثم عاد اجتماع المركزي ليعيد دور الشركات الخاصة.. ولكن بشروط تفضي عملياً إلى نوع من “الاحتكار الناعم”.
0 خاطب البنك المركزي وزارة الطاقة في 14 يونيو بهذا الشرط الجديد دون إصدار منشور رسمي يلغي المنشورات السابقة.. المنظمة لاستيراد الوقود والتي لا تزال سارية قانوناً كما ألزم الوزارة بالربط مع منصة بلدنا وهو أمر غريب ان يتجاوز المركزي صلاحياته ويوجه الوزارات التنفيذية.. أولى مخاطر القرار لنفترض أن إحدى الشركات المقتدرة قامت بالفعل بتوريد الذهب إلى المصفاة.. التي تعتبر الذراع الفنية للبنك المركزي فهل سيمنحها الأخير النقد الأجنبي.. مقابل هذا الضمان؟.. أم سيكلف البنوك التجارية بذلك؟.
0 أن القطاع المصرفي يعاني ضعفا واضحا في السيولة وعاجز عن التمويل.. وقد سبق أن تعثر في دعم المحفظة التمويلية التي أنشأها بنك السودان، ولم يشارك فيها بفاعلية سوى بنك الخرطوم.. ومن المفارقات أن البنوك كانت تستطيع تحقيق عوائد مجزية لو شاركت في تمويل استيراد الوقود عبر المحفظة.. حتى ولو بمساهمة تعادل قيمة باخرة وقود صغيرة بنحو (35) مليون دولار.. فالعائد لم يكن هيناً إذ كانت البنوك تحصل على فائدة بنسبة 1٪.. ما يعني تحقيق أرباح تصل إلى (350) ألف دولار للبنك الواحد في العملية.
0 وعندما اتجه كبار رجال الأعمال للتعامل مع المحفظة وأداروا ظهورهم للبنوك.. وهو أمر طبيعي في ظل الظروف السائدة حينذاك تعرضت المحفظة لحملة انتقادات واسعة.. والتشويش على بنك الخرطوم “بفرمالة” انه بنك إماراتي.. بينما الجهات التي تهاجمه في العلن تصلها المكافأت عبر (بنكك).. “عالم عينها قوية” !!.. ولم يمض وقت طويل حتى جاء قرار إلغاء المحفظة ضمن أولى القرارات التي أصدرتها المحافظ عقب توليها المنصب.
0 ثاني مخاطر قرار ضمان الذهب كيف ستحتسب قيمة الذهب المودع ؟ هل وفق سعر الدولار الرسمي أم الموازي ؟.. فقيمة (200) كيلوغرام من الذهب تقارب (27) مليون دولار.. وبما أن الوقود يباع بالجنيه السوداني بينما التمويل يتم بالدولار فإن سداد التجار للمركزي بالجنية قد يؤدي لاستنزاف احتياطي النقد الأجنبي.. ثالث المخاطر أن هذا القرار سيؤدي إلى إشعال سوق الذهب ويفتح الباب أمام موجة من المضاربات الحادة في الأسعار..وسيقبل تجار الوقود بشراء الذهب بأي سعر.. “مافارقة معاهم” طالما يمكنهم تعويضه بسهولة عند أول باخرة.
0 أما رابع المخاطر فيتمثل في الضرر الذي سيلحق بمصدري الذهب.. مما قد يؤدي إلى تراجع الصادرات وهؤلاء المصدرون كانوا يوردون حصائل الصادر بالدولار إلى البنوك.. والتي تعتمد عليها في تمويل عملائها من مستوردي الدقيق والأدوية وغيرها من السلع والاحتياجات الأساسية.
0 خامس المخاطر، من المعروف أن سوق الذهب يرتبط ارتباطا وثيقا بسوق الدولار.. ولذلك فإن أي زيادة في الطلب على الذهب قد تنعكس مباشرة على سعر الدولار..وقد يجد مستوردو الوقود أنفسهم مضطرين للتعامل مع جهات تحتفظ بالذهب بغرض الادخار أو المضاربة.. ما يضيف مزيداً من المشاكل للسوق.. وفي المقابل تبدو وزارة الصناعة والتجارة غائبة عن المشهد.. ولا آثر للوزيرة محاسن يعقوب نزل، رغم أن ملفي الصادرات والواردات يقعان ضمن اختصاصاتها المباشرة.. في وقت تواجه فيه عدة قطاعات فشلاً ذريعاً بشكل واضح من بينها مصانع السكر.
0 حسناً ما الحل؟.. في تقديري يكمن في إعادة النظر في تجربة المحفظة التي نجحت.. رغم ظروف الحرب في المساهمة باستقرار سعر الصرف وضمان انسياب الوقود وكبح جماح نشاط تجار العملة.. وإذا كان الأمر عصياً على المحافظ.. فعلى البنك المركزي أن يتبنى سياسة قوية لشراء الذهب بأسعار السوق.. أو يحتكر تجارته لكن ليس بالأسلوب التأمري الذي شهدته فترة تولي د. أحمد الكاروري وزارة المعادن.. ففي ذلك الوقت كان المركزي يقدم أسعار شراء للذهب اقل من أسعار السوق.. ما أسهم في توسع عمليات التهريب.. واضطر الكاروري إلى خوض مواجهة ساخنة مع المركزي انتهت بارخاء قبضته وتمكين الشركات الخاصة بالدخول في عمليات شراء الذهب.. لكن غادر الوزير المحترم منصبه مع أول تعديل وزاري أعقب تلك الأحداث.
0 ومهما يكن من أمر.. الحل واضح حتي ولو اشترى المركزي الذهب بسعر الدولار الموازي.. لكن الحكومة جزر معزولة لكل جهة فيها قراراتها – ولا أود القول مصالحها – .. بينما. تدفع البلاد والمواطن ثمن هذة الفوضى.
الخميس 18 يونيو 2026
osaamaaa440@gmail.com




